مقدمة في الأصول العقائدية

تُعدّ مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة وفي الجنة واحدة من أهم وأعمق المسائل الكلامية والفلسفية في التراث الإسلامي، والتي شغلت عقول العلماء والمفكرين على مختلف مشاربهم ومذاهبهم. وقد تباينت الآراء واختلفت المدارس الإسلامية في تحديد المفهوم الدقيق لهذه الرؤية، وكيفية تعلقها بالذات الإلهية المقدسة، وهل هي ممكنة وقوعاً وجوازاً بالعين الباصرة أم أنها مستحيلة، وتتخذ معاني أُخر مجازية أو قلبية.

وعند مراجعة الفكر العقائدي عند مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ومنهج متكلمي الإمامية، نجد موقفاً واضحاً وحاسماً يقوم على أساس تنزيه الله عز وجل عن لوازم الجسمية والمادية والجهة. فما هو التكييف العقلي والنقلي الذي تتبناه هذه المدرسة في الإجابة عن التساؤل المتمثل في: "هل يرى أهل الجنة الله؟" وكيف تفسر النصوص الواردة في هذا الشأن؟

الأصل العقائدي: نفي الرؤية البصرية مطلقاً

يذهب جمهور علماء الإمامية (الشيعة) ومعهم المعتزلة إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يُرى بالعين الباصرة أبداً، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا في الجنة ولا في غيرها. ويعتبرون أن القول برؤية الباري بالبصر يستلزم بالضرورة القول بالجسمية والتحيز، بمعنى أن يكون المرئي جسماً ذا أبعاد، ومقابلاً للرائي، ومحتلاً لجهة معينة.

وبما أن الباري عز وجل منزّه عن الجسم والجهة والمكان والزمان -إذ هو خالق المكان والزمان ومنشئ الأجسام والصفات- فإن كل ما يستلزم المحدودية والتركيب فهو في حقّه محال. وعليه، فإن العقل الصريح يقطع باستحالة الإحاطة بالذات الإلهية المقدسة عن طريق الحواس الظاهرة، لقوله تعالى في محكم كتابه: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.

الأدلة العقلية والنقلية عند الإمامية

بنى متكلمو الإمامية عقيدتهم في نفي الرؤية البصرية على دعائم عقلية ونقلية متصلة, منها:

  • استحالة الجهة والجسمية: إن الرؤية البصرية تتطلب بالضرورة شعاعاً أو تقابلاً أو انطباعاً لصورة المرئي في العين، وكل ذلك من صفات الممكنات والمخلوقات لا الخالق.

  • بطلان التحديد والتركيب: لو رأى العباد ربهم بالعين، لزم إما أن يقع البصر على كل الذات فيتحتم التناهي والمحدودية، وإما أن يقع على بعضها فيلزم التركيب والتبعض، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

  • النصوص الواردة عن الأئمة: وردت نصوص صريحة متواترة عن أئمة أهل البيت تؤكد هذا المعنى؛ فعندما سُئل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عما إذا كان قد رأى ربه، أجاب ببيان بليغ نافياً الرؤية بالعيان ومثبتاً إياها بحقائق الإيمان والقلوب، كقوله: "لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان".

هل ترغب في أن نستكمل تفصيل تأويل النصوص والآيات القرآنية التي يستدل بها الطرفان في هذا السياق، مثل آية النظر في سورة القيامة؟

خاتمة البحث وموقف علماء الإمامية

وخلاصة القول في هذه المسألة العقدية الهامة، أن المدرسة الكلامية الإمامية، تذهب باتفاق محققيها إلى استحالة رؤية الله سبحانه وتعالى بالعين الباصرة، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ إذ إن إثبات الرؤية البصرية يستلزم بالضرورة القول بالجسمية والتجسم والتحيز في جهة، وهو ما يتعارض جذرياً مع قوله تعالى: (لا تُدرِكُهُ الأبصَارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأبصَارَ).

وأما النصوص الواردة في بعض المصادر الحديثية والتي ظاهرها إثبات الرؤية، فيؤولها علماء الشيعة إما على "الرؤية القلبية" وحقائق الإيمان والمعرفة اليقينية، أو على رؤية آياته الكبرى وعظمته المخلوقة، أو مشاهدة نور من أنواره التي تجلت في أوليائه المقربين. فالتنزيه المطلق للذات الإلهية المقدسة عن لوازم المادية هو الأصل الحاكم عندهم.