مقدمة تمهيدية وإطار البحث
يُعدّ موضوع إطلاق الألفاظ والصفات الخاصة بالذات الإلهية المقدسة على غير الله سبحانه وتعالى – ولا سيما على الأنبياء والأئمة المعصومين (عليهم السلام) عند المدرسة الإمامية الاثني عشرية (الشيعة) – من المسائل الدقيقة التي تتقاطع فيها المرتكزات العقائدية مع المعايير اللغوية والأدب الفقهي.
المفهوم اللغوي والاصطلاحي لعبارة "جل جلاله"
قبل الخوض في الأحكام الفقهية والتوجيهات العقائدية، لا بد من تفكيك المفردات اللغوية للعبارة لمعرفة مدلولها الأصلي:
معنى "جَلَّ":
في المعاجم العربية، الفعل (جَلَّ) يعني عَظُمَ وكَبُرَ، يقال "جلّ فلان في عيني" أي عظم قدره ومقامه، و"جلّ عن كذا" أي تنزه وترفع عنه. معنى "الجلال":
هو صفة العظمة والقدرة والرفعة المطلقة التي تنتهي إلى أعلى درجات الكمال. الاصطلاح الشرعي والعرفي:
دأب المسلمون بمختلف مذاهبهم على إتباع اسم الله تعالى بجملة "جل جلاله" كدعاء ثناء وتعظيم، حتى صارت هذه الجملة علمًا بالغلبة والعرف الخاص على تعظيم الباري سبحانه وتعالى وتمجيده، بحيث يتبادر إلى الذهن فوراً اختصاصها بالله جل شأنه.
المرتكزات العقائدية الحاكمة في الفكر الإمامي
تستند الرؤية الشيعية في التعامل مع الألفاظ الخاصة بالله تعالى إلى قاعدة أساسية في التوحيد وتنزيهاً للذات الإلهية عن الشرك والتشبيه، وتتلخص هذه المرتكزات فيما يلي:
صيانة مقام الألوهية والربوبية:
يرى علماء الإمامية أن هناك مقاماً أزلياً يختص بالله تعالى وحده، وهو مقام التفرّد بالخلق والتدبير والصفات المطلقة كالكمال المطلق، والجلال والجمال الحقيقيين بلا غاية ولا نهاية. موقع الأئمة والمعصومين (عليهم السلام):
تعتقد المدرسة الإمامية بعصمة الأنبياء والأئمة وطهارتهم المطلقة ورفعة مقامهم وكونهم وسائط الفيض الإلهي وخيرة خلق الله، إلا أنهم يظلون في نهاية المطاف عبيداً مخلوقين لله تعالى، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا بإذنه، كما ينص على ذلك صريح القرآن الكريم في وصف النبي محمد (صلى الله عليه وآله): {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله}. سد ذرائع الغلو:
يُبدي علماء الشيعة وحوزاتهم العلمية حساسية بالغة تجاه أي تعبيرات أو ألفاظ قد تُفهم خطأً على أنها تعطي للمخلوق شيئاً من خصائص الخالق، أو تؤدي بالعوامّ إلى التوهم بوجود حالة من حالات التآليه أو الحلول أو التفويض المطلق الذي يخرج المعصوم عن حقيقة العبودية لله.
المنهج الفقهي واحتياطات لجان الاستفتاء
عند الرجوع إلى آراء المراجع العظام ولجان الاستفتاء الرسمية في الحوزات العلمية (مثل مكتب المرجع الديني ومراكز الاستفتاء المتخصصة كمركز العترة الطاهرة ومركز الرصد العقائدي)، نجد إجماعاً عملياً واحتياطياً على ضرورة التجنب والاحتياط بعدم إطلاق عبارة "جل جلاله" على غير الله تعالى.
وتستند هذه الفتوى التوجيهية إلى عدة أسباب موضوعية وشرعية دقيقة سيتم تفصيلها واستكمال أدلتها في الجزء القادم من هذا البحث التحليلي الشامل.
تنويه: هل ترغب في أن أستكمل لك الجزء الثاني من المقال والذي يتناول الأدلة التفصيلية لرأي الاحتياط الفقهي وردود الأفعال العرفية والعقائدية؟
آراء الفقهاء المعاصرين والضوابط العقائدية
استكمالاً لما سبق بيانه حول الجذور التاريخية والروائية لمسألة إطلاق الألفاظ العظمية، فإن الموقف الفقهي المعاصر لدى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) يميل بمعظمه نحو الكراهية الشديدة أو التحريم التنزيهي إذا كان في اللفظ إيهام بالمساواة بين المخلوق والخالق، بينما يجوز إطلاقه بنحو المجاز اللغوي بشرط انتفاء أي عقيدة غلو أو شركة في توحيد الأفعال والصفات الذاتية.
الأدلة التفصيلية والضوابط الفقهية
الفرق بين الحقيقة والمجاز: يرى المحققون من الفقهاء أن كلمة (جل جلاله) أو ما يشابهها من عبارات التعظيم المطلق، حقيقة في ذات الله تعالى وحده باعتباره المنفرد بالكمال المطلق والجلال الذي لا نهاية له. وإذا أُطلقت على غيره، فإنما تحمل على المجاز اللغوي بشرط القرينة الواضحة.
باب الغلو والاشتباه: يحذر مراجع التقليد بشدة من استخدام هذه الألفاظ بشكل متكرر أو اعتيادي مع الأئمة أو الأولياء، لئلا يقع العامة في محظور الغلو أو الاعتقاد بأن للمخلوق صفات استقلالية تضاهي صفات الخالق عز وجل.
قاعدة سد الذرائع: استناداً إلى هذه القاعدة الفقهية، فإن منع إطلاق الألفاظ الخاصة بالله تعالى على البشر هو تدبير وقائي لحماية التوحيد الخالص، ومنع أي انحراف عقائدي قد يتسلل عبر العاطفة المفرطة تجاه المقدسين.
الخلاصة التوجيهية للمكلفين
تنبيه مهم: ينصح علماء الشيعة الإمامية باتباع الأدب الشرعي المعهود في الأدعية والزيارات المأثورة، حيث خُصصت الألفاظ الكريمة مثل "جل جلاله"، و"عز شأنه"، و"تبارك وتعالى" لله سبحانه وتعالى وحده، والاكتفاء بحد المديح والثناء المشروع والمعتاد في حق الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) مثل (صلوات الله عليهم) أو (سلام الله عليهم)، حفاظاً على نقاء العقيدة وتجنباً للشبهات.
هل ترغب في التعرف على المزيد من التفاصيل حول الأدلة الروائية الخاصة بأسماء الله الحسنى وصفاته الخاصة في الفقه الجعفري؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.