مقدمة إيمانية ومدخل موضوعي
يُعتبر الذكر والدعاء في الثقافة الإسلامية صلة الوصل الروحية بين العبد وخالقه، ومن أعظم هذه الصيغ وأبلغها وقعاً في نفس المؤمن ذلك دعاء التوجه والاستفتاح العظيم الذي يبدأ بقول المصلي: "وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين".
الأصل النبوي لدعاء "وجهت وجهي"
ثبت هذا الدعاء بألفاظه الشريفة في كتب الصحاح، ولا سيما في صحيح الإمام مسلم وغيره من دواوين السنة، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال:
"وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين".
وقد تلقى الفقهاء هذا الحديث بالقبول والاهتمام البالغ، واعتبروه واحدة من أبرز وأفضل صيغ دعاء الاستفتاح المستحبة في الصلاة، لاسيما عند المذاهب الفقهية الشافعية والحنابلة وغيرهم، لما يشتمل عليه من معانٍ جليلة تعيد توجيه بوصلة القلب نحو الخجل والخشوع والاستعداد للمثول بين يدي ملك الملوك.
التوقيت الشرعي: متى يُقال هذا الدعاء؟
الإجابة الدقيقة والمختصرة عن سؤال متى يقال دعاء وجهت وجهي؟ هي أنه يُقال في بداية الصلاة، وتحديداً بعد تكبيرة الإحرام وقبل شرع المصلي في قراءة سورة الفاتحة أو الاستعاذة، وهو ما يُعرف اصطلاحاً في الفقه الإسلامي بـ "دعاء الاستفتاح".
ولضبط هذه المسألة بدقة، يجب مراعاة الأمور الزمنية والترتيبية الآتية أثناء الدخول في الصلاة:
بعد التكبير لا قبله:
لا يصح شرعاً أن يُقال هذا الدعاء قبل تكبيرة الإحرام، فتكبيرة الإحرام (قول: الله أكبر) هي مفتاح الصلاة وتحريمها، ولا يبدأ بالذكر أو الاستفتاح إلا بعد انعقاد الصلاة ودخول المصلي فيها فعلياً. بين التكبير والقراءة:
يقع محله الزمني تماماً عقب الفراغ من تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في الاستعاذة ("أعوذ بالله من الشيطان الرجيم") ثم البسملة وقراءة الفاتحة. سنة مؤكدة:
اتفق جمهور الفقهاء على أن دعاء الاستفتاح (ومنه دعاء التوجيه) هو سنة مسنونة في حق الإمام والمأموم والمنفرد، في صلاة الفريضة وصلاة النافلة على حد سواء، ولا ترتب السهو على تركه عمداً أو سهواً.
الحكمة من تشريع دعاء التوجيه في هذا التوقيت بالذات
إن الحكمة الإلهية والحنكة النبوية في مشروعية افتتاح الصلاة بهذا الدعاء العظيم تكمن في تهيئة قلب وعقل المصلّي لمناجاة ربه. فبمجرد أن يكبر المصلي تكبيرة الإحرام، ينفصل عن صخب الدنيا ومشاغلها، ليقف موقف العبد الفقير الذليل بين يدي خالقه. ومن هنا يأتي إعلان التوجيه الكامل لله عز وجل، وخلع كل تعلق بما سوى الله، واستحضار أن الحياة كلها بكل تفاصيلها، والممات بكل مآلاته، والعبادات بكل شعائرها ("إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي") هي خالصة لله رب العالمين لا شريك له.
يتبع في الجزء الثاني تفصيل أحكام المستسفتحين، وهل يشرع هذا الدعاء في كل الصلوات، والأخطاء الشائعة المتعلقة به.
أحكام وتنبيهات هامة حول دعاء التوجيه
الهدي النبوي في التنويع
من الفوائد العظيمة التي ينبغي للمسلم معرفتها في ختام هذا البحث، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على صيغة واحدة في أدعية الاستفتاح، بل ثبت عنه عدة صيغ صحيحة.
متى يتعين أو يُستحب الإتيان به؟
في الصلاة المفروضة والنوافل:
يجوز للمسلم أن يستفتح صلاته بدعاء "وجهت وجهي" سواء كانت الصلاة فريضة مكتوبة أو نافلة تطوعاً، فالأحاديث الواردة في ذلك عامة تشمل الصلوات كلها. صلاة الليل والتهجد:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل الاستفتاح في صلاة الليل بهذا الدعاء لاسيما عند قيامه بالليل، حيث ورد في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الطويل عند الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة أو التطوع استفتح بهذا الدعاء متضمناً معاني التوحيد الخالص والانكسار بين يدي الله تعالى.
أخطاء شائعة يجب الحذر منها
القول قبل تكبيرة الإحرام:
يظن بعض المصليين جهلاً أن دعاء "وجهت وجهي" يقال أثناء التلفظ بالنية أو قبل الدخول في الصلاة، وهذا خطأ مخالف للإجماع والسنة؛ فمحل الاستفتاح حصراً هو بعد تكبيرة الإحرام وقبل الشروع في الاستعاذة وقراءة الفاتحة. الجهر به:
السنة السر به في الصلوات الجهرية والسرية على حد سواء، كبقية أدعية الاستفتاح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسر بها في الغالب ليعلم الصحابة رضي الله عنهم.
في النهاية، يُعد هذا الدعاء المبارك محطة إيمانية عظيمة تفتتح بها صلاتك لتجديد عهد العبودية والخضوع المطلق لله رب العالمين.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.