المحتويات
تُعدّ مسألة "أين هو الله؟" من أعظم المسائل وأكثرها إثارة للتساؤل الإنساني عبر التاريخ. إنّ العقل البشري، بطبعه المفطور على البحث عن الحقائق الكبرى، يطرح هذا السؤال محاولاً إدراك الحيز أو الجهة التي يُنسب إليها الخالق سبحانه وتعالى. غير أنّ الخوض في هذا الموضوع الدقيق يتطلب ضبطاً منهجياً دقيقاً، والتزاماً تاماً بالضوابط العقدية والنصية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية الغراء، بعيداً عن التشبيه أو التكييف أو التعطيل.
أولاً: المدخل المنهجي في دراسة المسألة الإلهية
لا يمكن لأي باحث أو طالب حق أن يخوض في الأسماء والصفات الإلهية، أو في مسائل العلو والاستواء، إلا من خلال قاعدة محكمة ومستقرة تتلخص في قول الله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). هذه الآية الكريمة هي الميزان الدقيق لكل ما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته.
1. إثبات ما أثبته الله لنفسه
يجب على المسلم أن يؤمن بكل ما أثبته الله سبحانه وتعالى لنفسه في كتابه الكريم، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة الصحيحة، إثباتاً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته، من غير تحريف لمعاني الكلمات عن مواضعها، ومن غير تعطيل لنصوصها أو نفي لمعانيها الصحيحة.
2. التنزيه المطلق عن المماثلة
في مقابل الإثبات، يجب التنزيه التام عن مشابهة المخلوقات. فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. ولأن الخالق جل وعلا ليس جسماً كالأجسام، ولا يحتاجه حيز يحده أو مكان يقله قبل خلق المكان، فإن العقل البشري يقف عاجزاً عن إدراك كيفية الصفات، لأن الكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ثانياً: مفهوم الفطرة الإنسانية ودلالتها
قبل الخوض في النصوص الشرعية، نجد أن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها تشهد لله سبحانه وتعالى بالعلو المطلق. فعندما يتوجه الإنسان بقلبه متضرعاً إلى الله في حالات الشدة والكرب، فإنه تلقائياً يرفع يديه وبصره إلى السماء. هذه الحركة التلقائية لم تأتِ من فراغ، بل هي تعبير حي عن مقتضى الفطرة التي تعرف خالقها وتدرك أنه العلي الأعلى.
دلالة التوجه القلبي: يشعر كل مؤمن أثناء دعائه بوجود الخالق فوقه، عليّ بذاته وصفاته، وهو شعور وجداني يتسق مع النصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنة.
استقلال العقل: يدرك العقل السليم أن المخلوقات محدودة ومحدودة في مكان، وأن الخالق الغني عن العالمين يجب أن يكون بانياً فوق سماواته، بائناً من خلقه، من غير أن تحيط به الجهات المخلوقة.
ثالثاً: الاستواء على العرش والعلو الإلهي
من أهم المسائل المرتبطة بسؤال "أين هو الله؟" هي مسألة استواء الله سبحانه وتعالى على عرشه، وعلوه على جميع خلقه. وقد وردت في القرآن الكريم سبعة مواضع تثبت استواء الرحمن على العرش، كقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى).
1. معنى الاستواء لغة واصطلاحاً
عند أهل السنة والجماعة، الاستواء في لغة العرب معلوم، وهو العلو والارتفاع والاستقرار. ولكنه إذا أُضيف إلى الله سبحانه وتعالى، فإنه يليق بجلاله وعظمته، ولا يماثل استواء المخلوقات على السفن أو الدواب. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله عندما سُئل عن كيف استوى: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
2. علو القهر وعلو الذات
أجمع سلف الأمة على أن الله سبحانه وتعالى عالٍ على خلقه بذاته وصفاته، فهو سبحانه فوق سماواته، بائن من خلقه، لا يحويه مكان ولا تحيط به جهة من مخلوقاته، بل هو الذي وسع كرسيه السماوات والأرض. وفي نفس الوقت، له علو القهر وعلو القدر، فهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير.
رابعاً: الأدلة من السنة النبوية الشريفة
لم تقتصر الأدلة على القرآن الكريم والفطرة فحسب، بل تزخر السنة النبوية الصحيحة بالأحاديث الصريحة التي تجيب عن هذا التساؤل بمنتهى الوضوح واليقين.
حديث الجارية: عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ -يقصد جارية له- فقال: "ائتني بها"، فأتيته بها، فقال لها: "أين الله؟"، قالت: في السماء، قال: "من أنا؟"، قالت: رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة".
يُعدّ هذا الحديث الشريف أصلاً عظيماً في معرفة الجواب النبوي المعتمد لمثل هذا السؤال، حيث أقر النبي صلى الله عليه وسلم الجارية عندما أجابت بأن الله في السماء (أي عالٍ فوق سماواته، فوق العرش)، وحكم لها بالإيمان.
خاتمة المقال حول موضوع "أين هو الله؟":
البُعد الإيماني والروحي: معية الله القريبة
في ختام هذا البحث العقدي العميق، يتجلى للإنسان أن السؤال عن مكان الله سبحانه وتعالى لا يُجاب عنه بأطر المكان المادي أو الحدود الفيزيائية؛ فهو الخالق سبحانه الذي خلق الزمان والمكان ولا تحده الجهات. إن عقيدة أهل السنة والجماعة تستقر على أن الله تعالى استوى على عرشه استواءً يليق بجلاله، فوق سماواته، وهو مع عباده بعلمه وقدرته وسمعه وبصره وإحاطته أينما كانوا.
وهذا الفهم لا يترك المؤمن في وحشة أو شعور بالبعد، بل يغرس في قلبه طمأنينة عميقة بالمعية الإلهية الخاصة التي تنزل على الصابرين والمتقين. قال الله تعالى في كتابه العزيز: "وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ"، وهي معية تقتضي المراقبة والتربية والشعور الدائم بقرب القريب المجيب، مما يدفع المسلم إلى استقامة السلوك وإخلاص العمل، عالمًا أن بصره لا يفارق أحوال خلقه، وأن دعاءه سميع قريب. وبهذا تتوازن عظمة الخالق وجلاله مع رحمته وقربه، ليستقر اليقين في قلب المؤمن وتطمئن روحه.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.