مقدمة عن أهمية الهدي النبوي في الصلاة
الصلاة هي عماد الدين وأعظم أركانه العملية بعد الشهادتين، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنته فيها بدقة حين قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". ومن الهيئات الجليلة والسنن المؤكدة في الصلاة صفة رفع اليدين عند التكبير، وهي سنة تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم ونقلها الصحابة الكرام رضي الله عنه أجمعين بدقة بالغة.
المواضع الأربعة المتفق عليها لرفع اليدين
ذهب جمهور أهل العلم من المذاهب الأربعة المحققة إلى أن رفع اليدين في الصلاة ليس مشروعاً في كل تكبيرة باطراد، بل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه في أربعة مواضع محددة وثابتة في الصحاح:
الموضع الأول: عند تكبيرة الإحرام
وikتشي افتتاح الصلاة برفع اليدين مع التكبير الأولى التي يحرم بها المصلي، وهي الركن الذي تدخل به في الصلاة وتنعقد به. الموضع الثاني: عند الركوع
حين يقبل المصلي على الهوي للركوع، يرفع يديه مقارناً ذلك بتكبيرة الانتقال للركوع. الموضع الثالث: عند الرفع من الركوع
حين يعتدل المصلي رافعاً رأسه وظهره من الركوع قائلًا: "سمع الله لمن حمده"، مسنون له رفع يديه حال الاعتدال. الموضع الرابع: عند القيام من التشهد الأول
وذلك عند النهوض للقيام إلى الركعة الثالثة (بعد الانقضاء من الجلوس للتشهد الأول والقيام لما بعده)، وهي تكبيرة الانتقال التي تفصل بين النصف الأول من الصلاة وما يليه.
الحكمة من تشريع رفع اليدين
لم تكن أفعال الصلاة وأقوالها مجرد حركات عبثية، بل هي رموز تعبدية تحمل معاني الاستسلام المطلق لله عز وجل. وفي حكمة رفع اليدين دلالات عظيمة، منها:
الاستكبار الإلهي وتعظيمه:
فكأن المصلي برفع يديه يطرح الدنيا خلفه ويزيحها جانباً، معلناً براءة قلبه من كل متعلقات الحياة الدنيوية وإقباله الكلي على الخالق جل وعلا. استشعار الخضوع والانقياد: يشبه حال المصلي حال الأسير أو المستسلم الذي يرفع يديه طوعاً، إقراراً بالعبودية المطلقة لجلال الله وعظمته.
تنشيط البدن والجوارح: يساعد تنويع الحركات في الصلاة -كرفع اليدين والانتقال بين الهيئات- على استحضار القلب وابعاد السهو والوساوس الشيطانية التي قد تسلل إلى ذهن المصلي.
الكيفية والصفة الصحيحة للرفع
وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم صفات صحيحة ومتنوعة في كيفية رفع اليدين، تضمنت تحديد الارتفاع والأطراف:
المحاذاة:
أن تكون اليدان مرفوعتين إما حذو المنكبين (الكتفين) أو إلى فروع الأذنين، وكلها سنن صحيحة ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأفضل للمصلي التنويع بينها أحياناً لإحياء جميع السنن. بسط الأصابع واستقبال القبلة: تكون الأصابع ممدودة باعتسط غير مضمومة تعسفاً ولا مفرجة مبالغ فيها، ومستقبلة ببطونها جهة القبلة وكأنها متجهة نحو الكشبة المشرفة.
ملاحظة فقهية: يرى المحققون من أهل العلم أن الاقتران الزمني بين الرفع والتكبير مستحب؛ بحيث يبدأ المصلي رفع يديه مع ابتداء التكبير وينتهي منهما بانتهاء النطق بكلمات التكبير.
مواضع رفع اليدين في بقية الصلاة: بين الركوع والسجود والقيام
تحدثنا في القسم الأول عن المواضع المتفق عليها لرفع اليدين في الصلاة، مثل تكبيرة الإحرام. ونستكمل في هذا القسم بقية المواضع التي وردت فيها السنة النبوية المطهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لضمان أداء الصلاة على الهدي النبوي الشريف.
المواضع المستحبة لرفع اليدين
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع اليدين في ثلاثة مواضع إضافية أثناء الانتقال في الصلاة، وهي كالتالي:
عند الركوع: يُسن رفع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين عند الإرادة للركوع، ومع ابتداء التكبير للركوع.
عند الرفع من الركوع: عند الاعتدال وقول "سمع الله لمن حمده"، يُسن رفع اليدين كذلك في حال قيام المصلي.
عند القيام للتشهد الأوسط (القيام من الركعتين): عندما ينهض المصلي من التشهد الأول ليقوم إلى الركعة الثالثة، ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا قام من الركعتين.
صفة الرفع الصحيحة والسنن المتعلقة بها
لكي يتحقق الاقتداء بالسنة بشكل كامل، ينبغي للمصلي مراعاة الآيئة والصفة الصحيحة للرفع:
الارتفاع: أن تكون اليدان مرفوعتين بحيث تحاذيان المنكبين (الكَتِفين)، أو ترتفعان قليلاً لتصل أطراف الأصابع إلى مستوى الأذنين.
البسط: أن يكون الكفان مبسوطتين باتجاه القبلة، لا مغلوقتين ولا مفرجتين بتكلف شديد.
التوقيت: أن يقارن رفع اليدين ابتداء التكبير وينتهي بانتهائه، طردياً مع حركة الانتقال في أركان الصلاة.
نقطة مهمة: اختلف الفقهاء في بعض تفاصيل هذه المواضع، كرفع اليدين عند القيام للركعة الثالثة، فذهب الحنفية إلى عدم مشروعيته بعد التشهد الأول، بينما ذهب الشافعية والحنابلة إلى استحبابه ثبوتاً للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك. وكلها أقوال معتبرة وسعة في الفقه الإسلامي.
الخاتمة والحرص على السنة
في الختام، إن تطبيق هذه السنن يزيد من خشوع المصلي ويقربه من صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". ورغم أن ترك رفع اليدين لا يبطل الصلاة لكونه من السنن الهيئات لا الأركان، إلا أن الحرص عليه يؤجر عليه المسلم اقتداءً واحتساباً.
هل ترغب في معرفة تفاصيل الأحكام الفقهية الخاصة بوضع اليدين على الصدر بعد الرفع؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.