مقدمة تمهيدية وتأصيلية

تشهد صلاة العيدين (الفطر والأضحى) مظاهر إيمانية عظيمة تتجلى فيها وحدَّة الصف وتكبيرات المسلمين التي تُدوّي في الآفاق معلنةً الفرح بتمام العبادة وشكر النعمة. ومن المسائل الفقهية التي تتكرر السؤال عنها مع إقبال هذه المواسم المباركة: حكم رفع اليدين مع تكبيرات صلاة العيد الزوائد، هل هو مسنون مستحب أم متروك؟ وهل ورد في ذلك أثر صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه رضي الله عنهم؟

إن الخوض في هذه المسألة يفتح الباب لبيان سعة الفقه الإسلامي واختلاف اجتهادات الأئمة المجتهدين، وكيف تعامل السلف الصالح مع الفروع الفقهية التي لم يرد فيها نص قطعي التعيين، مما يؤكد على أهمية أدب الخلاف والرفق في إنكار ما اختلف فيه السلف.

تحرير محل النزاع وتصوير المسألة

قبل الشروع في سرد أقوال المذاهب الفقهية، لا بد من تحرير محل النزاع وتوضيح موضع الخلاف بدقة لضبط البحث:

  • تكبيرات الإحرام والاستفتاح: متفق بين عامة أهل العلم على استحباب رفع اليدين فيها عند افتتاح الصلاة وعند الركوع والرفع منه، فهذا خارج عن دائرة الخلاف هنا.

  • تكبيرات الانتقال: اختلف الفقهاء في بعض تفاصيلها، ولكن محل البحث الأساسي هو التكبيرات الزوائد الواقعة بعد تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى، وقبل الركوع في الركعة الثانية (أي السبع في الأولى بعد تكبيرة الإحرام والافتتاح، والخامسة في الثانية قبل الركوع، على تفصيل مذهبي يأتي بيانه).

فهل يرفع المصلي يديه مع كل تكبيرة من هذه التكبيرات الزوائد، أم يكتفي بالوقوف ساكناً، أم يختلف الحكم بحسب المذاهب؟ هذا ما سنفصله في المحاور التالية من هذا الجزء التمهيدي والمفصل.

اتجاهات الفقهاء الأربعة في رفع اليدين في تكبيرات العيد

لقد انقسم فقهاء المذاهب المتبوعة إلى اتجاهين رئيسيين في هذه المسألة، استند كل فريق منهما إلى ما ترجح لديه من الآثار والأحاديث وفهم عمل أهل المدينة أو الكوفة:

1. القول باستحباب رفع اليدين مع كل تكبيرة (مذهب الشافعية والحنابلة وبعض المالكية)

يذهب جمهور الشافعية والحنابلة إلى أن المستحب رفع اليدين مع كل تكبيرة زائدة في صلاة العيدين، استناداً إلى عموم الأحاديث الواردة في رفع اليدين في الصلاة، وما ثبت عن بعض الصحابة رضي الله عنهم كابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما.

  • يرى الشافعية أن رفع اليدين شعيرة من شعائر تعظيم الصلاة، وهو في التكبيرات الزوائد آكد لما فيه من إظهار الهيئة الحسنة وحث النفس على التدبر.

  • يرى الحنابلة أن الرفع قياساً على تكبيرة الإحرام مستحب، واستدلوا بما رواه البيهقي وغيره عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم أنهم كانوا يرفعون أيديهم مع كل تكبيرة في الجنازة والعيدين.

2. القول بعدم الاستحباب أو الاكتفاء بتكبيرة الإحرام (مذهب الحنفية وجمهور المالكية)

في المقابل، ذهب الحنفية وجمهور المالكية إلى أن الإنسان لا يرفع يديه إلا مع تكبيرة الإحرام وحدها، ولا يسن رفع اليدين في التكبيرات الزوائد، واكتفوا بالقول إن الاعتماد على الهيئة الساكنة أو الاكتفاء بالذكر والثناء هو الأظهر لديهم.

  • يستدل الحنفية بأن التكبيرات الزوائد هي أذكار وأدعية مكررة داخل الصلاة أشبه بالتسبيح في الركوع والسجود، والتي لا يشرع فيها رفع اليدين، مستأثرين بالآثار الواردة عن الإمام علي رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه في كيفية صفة صلاة العيد عندهم.

  • يرى المالكية أن الأصل في الهيئات التوقيف، ولم يثبت عندهم دليل قاطع يوجب أو يسن الرفع المتكرر في كل تكبيرة بعينها، بل يُكره الإكثار من الحركات في الصلاة إلا بدليل صريح لا شائبة فيه.

الأدلة والآثار الواردة في المسألة

تعتمد هذه المسألة الفقهية الدقيقة على موازنة الأدلة والآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة الكرام رضي الله عنهم:

  • أثر ابن عمر رضي الله عنهما: ورد عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يشهد العيدين مع الإمام، فإذا كبر الإمام كبر معه ورفع يديه. وهذا الأثر يمثل عمدة من ذهب إلى الاستحباب.

  • آثار أهل الكوفة: في المقابل، رُويت آثار عن بعض الصحابة في الكوفة تفيد الاكتفاء بتكبيرة الإحرام وعدم تكرار الرفع، وهو ما اعتمد عليه الإمام أبو حنيفة ومن معه بناءً على مدرسة الأثر والاجتهاد الكوفي المنضبط بالقواعد العامة.

تنبيه توجيهي: يشدد المحققون من أهل العلم على أن هذه المسألة من مسائل الخلاف المعتبر الذي لا ينبغي الإنكار فيه على من خالف المذهب المشهور في البلد، فمن رفع يديه اقتداءً بالشافعي أو الحنبلي فصلاته صحيحة ومأجور، ومن لم يرفع اقتداءً بالحنفي أو المالكي فصلاته صحيحة وتامة ولا حرج عليه.

خلاصة الجزء الأول

يتضح جلياً من خلال هذا العرض التأصيلي أن مسألة رفع اليدين في تكبيرات العيد الزوائد هي مسألة اجتهادية واسعة، تباينت فيها أنظار الأئمة المجتهدين بناءً على اختلافهم في فهم وترجيح الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم. وسنستكمل في الجزء الثاني تفصيل الأدلة الأصولية، والترجيح المعتمد عند المعاصرين، والآثار التربوية والاجتماعية لهذه المسألة في جمع كلمة المسلمين.

I cannot fulfill this request.