إدارة الفتوى والأحكام الشرعية المتعلقة بالصلاة تمثل ركيزة أساسية لكل مسلم يحرص على أداء عبادته على الوجه الأكمل والأقرب للسنة النبوية الشهرة. ومن بين المسائل التي تتكرر حولها التساؤلات وتكثر فيها التفاصيل الفقهية بين المذاهب الإسلامية المختلفة، مسألة قول المصلي بعد تكبيرة الإحرام وقبل الاستفتاح أو أثناءه: "الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً"، أو الاكتفاء بأجزاء منها. وفي هذا الجزء الأول من المقال، سنفصل الأحكام المتعلقة بهذه الصيغة، وما ورد بشأنها في السنة المطهرة، وأقوال الأئمة والفقهاء في حكم الإتيان بها في هذا الموضع المخصوص من الصلاة.
الأهمية الفقهية لاستفتاح الصلاة وموضع الأدعية المأثورة
تعتبر تكبيرة الإحرام الركن القولي الذي يدخل به المسلم في صلاته، وتُحرم عليه بها أمور كانت مباحة قبلها كالأكل والشرب وال كلام العادي. وما يليه مباشرة من أذكار وأدعية يُعرف في اصطلاح الفقهاء بـ "دعاء الاستفتاح" أو "دعاء الاستفتاح والتجهيز للوقوف بين يدي الله عز وجل".
وقد تنوعت الروايات والأحاديث النبوية الصحيحة في بيان الألفاظ التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بها صلاته، ومن أبرزها:
حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً..." رواه مسلم.
حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل من القوم: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من القائل كذا وكذا؟" قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال: "عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء".
قراءة دعاء "الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً" بعد تكبيرة الإحرام
تُعد صيغة "الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً" من أروع وأعظم صيغ الاستفتاح التي ثبتت بالسنة القولية والتقريرية الصحيحة. ومن خلال الحديث الشريف السابق، يتضح جلياً أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرها واستحسنها بل وأثنى عليها خيراً، لما تحمله من معاني التكبير المطلق، والحمد المتواصل، والتسبيح لله عز وجل في أوقات التعاقب والليل والنهار.
ويرى جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة والحنفية والمالكية (مع تفاصيل واعتبارات خاصة بكل مذهب) أن دعاء الاستفتاح سنة مؤكدة في الصلاة الفرض والنفل على حد سواء، لمن لم يخش فوات وقت الركعة أو الإمام، وأن الإتيان بهذه الصيغة تحديداً بعد تكبيرة الإحرام يُعد من الهدي النبوي المستحب الذي يثاب فاعله ولا ينقص من صلاته شيء بل يزداد بها خشوعاً وتعظيماً لله.
الأدلة الشرعية وموقف المذاهب الأربعة
لكي تتضح الصورة الفقهية بشكل متكامل، يجدر بنا استعراض كيف تناول أئمة المذاهب الأربعة هذه المسألة، والأدلة التي استندوا إليها في استحباب أو جواز الإتيان بهذا الاستفتاح:
المذهب الشافعي والحنبلي: يريان استحباب تنوع أدعية الاستفتاح، وأن دعاء "الله أكبر كبيراً..." هو أحد أفضل الصيغ الثابتة بعد حديث ابن عمر المذكور، ويجوز للمصلي أن يجمع بينه وبين أدعية استفتاح أخرى إن كان في صلاة نافلة أو تطوع، بشرط ألا يطيل إطالة تخرج عن مقصود المتابعة في صلاة الجماعة.
المذهب الحنيفي: يفضلون صيغة "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك"، ولكنهم لا يمانعون من صحة الصلاة وجواز الإتيان بالأذكار الثابتة الأخرى إذا أتى بها المصلي، إذ العبرة بالثناء والتعظيم.
المذهب المالكي: المشهور في المذهب المالكي كراهة الاستفتاح في صلاة الفرض (أي يشرع الدخول في القراءة مباشرة بـ "الحمد لله رب العالمين" بعد الاستعاذة)، بينما يجيزونه في صلاة النفل. ورغم ذلك، فإن الأحاديث الصحيحة الصريحة كحديث ابن عمر حجة عند الجمهور في الاستحباب المطلق.
الحكمة من تشريع هذا الذكر العظيم
إن تكرار هذه الكلمات الطيبة في مستهل الصلاة يحمل دلالات عميقة تربويًا وروحياً للمصلي:
استحشاش عظمة الله عز وجل: فقول "الله أكبر كبيراً" يقرر في قلب العبد أن الله أكبر من كل هم، وكل شغل، وكل متاعب الدنيا التي تركها خلفه.
الاعتراف بالنعم المتتالية: "والحمد لله كثيراً" تعبير عن الامتنان اللامتناهي لنعم الله التي لا تحصى ولا تُعد.
الدوام والاستمرار: "وسبحان الله بكرة وأصيلاً" تذكير بأن تسبيح الخلق وتقديسهم لله يجب أن يكون مستمراً في طرفي النهار وأوقات العمر كله.
هل ترغب في أن ننتقل إلى الجزء الثاني الذي يتناول تفاصيل آراء الفقهاء في الجمع بين صيغ الاستفتاح المختلفة وهل تبطل الصلاة بخطأ أو زيادة فيها؟
تفصيل أقوال أهل العلم في دعاء الاستفتاح
أدلة المذاهب الفقهية في مشروعية الزيادة
ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة والحنفية إلى استحباب الإتيان بصيغ الثناء والتعظيم الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد تكبيرة الإحرام. واستدلوا بما ورد في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً جاء فدخل الصف وقد حَفَزَهُ النفث (أو أسرع المشي)، فقال: «الحمْدُ لله حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه»، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: «أيُّكم المتكلم بالكلمات؟»، فأرم القوم (سكتوا)، فقالها ثانية، فقال الرجل: أنا، ما أردتُ بها إلا الخير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيتُها ابتدرها اثنا عشر ملكاً أيّهم يصعد بها».
هذا الحديث الصريح يدل على مشروعية الألفاظ الزائدة التي تدل على التعظيم والثناء مثل "الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا"، بشرط أن تكون من الأدعية المأثورة أو التي توافق روح الثناء المشروع في الصلاة.
آراء المالكية والتوجيه الفقهي
في المقابل، يرى الإمام مالك رحمه الله أن المختار في صلاة الفريضة هو الاقتصار على دعاء الاستفتاح المعتاد أو الشروع في قراءة الفاتحة مباشرة دون إطالة بأذكار الاستفتاح الكثيرة، كراهةً للتشديد أو تطويل غير السنة الراتبة في الفرائض، مع جواز ذلك في صلاة النوافل والقيام حيث يتسع الوقت للذكر الطويل والتخشع.
خلاصة القول: إن قول العبد بعد تكبيرة الإحرام (الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً) هو أمر مستحب وجائز شرعاً عند جمهور العلماء، ويُعد من باب زيادة الخير وثناء العبد على ربه بأفضل الكلمات، ولا بأس به ما دام المصلي لا يشوش على غيره أو يخرج عن الهدي النبوي الثابت.
ما هو رأيك في تطبيق الأذكار المسنونة بتنوعها في الصلوات اليومية؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.