مقدمة وتمهيد في حكم قراءة القرآن الكريم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

إن كتاب الله عز وجل هو أعظم كتاب أنزل لهداية البشرية، وفيه النور والشفاء لما في الصدور؛ ولهذا يحرص المسلم في كل زمان ومكان على الإكثار من تلاوته وتدبر آياته ليحظى بالأجر والثواب العظيمين. ومع التطور التقني الهائل في عصرنا الحالي، أصبح الهاتف المحمول (الجوال) رفيقاً دائماً للإنسان، ووسيلة ميسرة لقرابة كل عبادة، ومن أبرزها قراءة القرآن الكريم عبر التطبيقات الرقمية المتنوعة.

ومع هذا التيسير المعاصر، يتجدد السؤال لدى الكثير من المسلمين حول الأحكام الفقهية المتعلقة بوسائل التلاوة الحديثة، ومن أهم هذه الأسئلة: هل يجوز قراءة القرآن من الجوال وأنا متكئ أو مستلقٍ؟

الأصل في جواز قراءة القرآن في مختلف الأحوال

لقد أذن الشارع الحكيم للعباد بذكر الله سبحانه وتعالى وقراءة كتابه في شتى أحوالهم، سواء كان المراد قاعداً أو قائماً أو على جنب. وقد مدح الله تعالى أولئك الأبرار في كتابه العزيز بقوله: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) [آل عمران: 191]. ويدخل في عموم الذكر قراءة القرآن الكريم بجميع طرقه وأشكاله.

وقد ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ". وفي هذا الحديث دليل واشح وصريح على جواز القراءة حال الاتكاء أو الاضطجاع، طالما أن القارئ في حالة طهارة من الحدث الأكبر، ولم يصدر عنه ما ينافي تعظيم كلام الله تعالى.

طبيعة المصحف الإلكتروني في الجوال وأحكامه

من إيجابيات التقنية الحديثة أن الهواتف الذكية لم تعد تحصر النص القرآني في الأوراق المطبوعة وحدها، بل وضعت المصحف الشريف بين يدي المسلم في أي وقت وفي أي مكان. وهنا تجدر الإشارة إلى قاعدة أصولية هامة اتفق عليها جمهور العلماء المعاصرين: وهي أن شاشات الهواتف والأجهزة اللوحية لا تأخذ الحكم الفقهي للمصحف الورقي المكتوب من حيث وجوب الطهارة المطلقة لمسه، لأن الحروف المكتوبة على الشاشة هي عبارة عن نبضات إلكترونية وليست مداداً مستقراً على ورق محدد.

وبناءً على ذلك:

  • جواز القراءة متكئاً: يجوز للمسلم أن يتكئ على وسادة أو أريكة، أو أن يستلقي على ظهره أو جنبه، ويفتح هاتفه المحمول ليقرأ ما تيسر له من آيات الذكر الحكيم دون إثم أو حرج.

  • سهولة التناول: يتيح الجوال للمريض أو المتعب الذي لا يقوى على الجلوس بطريقة نظامية أن يستمر في وردة القرآني بكل سهولة ويسر، وهو ما يعد من رخص الشريعة الإسلامية التي بنيت على التخفيف ورفع الحرج.

آداب تلاوة القرآن الكريم: بين الجواز والتعظيم

التعظيم القلبي وأثره في التلاوة

حتى وإن ثبت الجواز الشرعي للاتكاء أثناء القراءة، فإن أدب الخشوع والتعظيم يظل المعيار الأساسي الذي يفهم به المسلم تعامله مع كلام الله عز وجل. إن القلب المعظم للقرآن يأنف بطبعه من أي هيئة قد توحي بالكسل أو الإهمال، متى ما كانت القدرة قائمة على الجلوس المعتدل.

«إن خير المجالس ما استقبل به القبلة، وكان القارئ على طهارة ووقار، مستحضراً عظمة المتمثل بين يدي ربه.»

نصائح عملية للقراءة من الجوال بوضعيات مختلفة

نظراً لأن الهواتف الذكية أصبحت المصحف المتنقل في أيدينا، فإن مراعاة بعض الضوابط يجمع بين الانتفاع بالرخصة وحفظ كرامة المصحف:

  • تجنب الوضعيات المنافية للوقار التام: كالاتكاء المائل كلياً أو الاستلقاء المبالغ فيه الذي يبعث على النوم والسهو عن تدبر الآيات.

  • الاستعانة بالحوامل الصغيرة: إذا دعت الحاجة للاتكاء بسبب التعب أو المرض، فيمكن استخدام مسند أو وسادة مرتفعة نسبياً لرفع الجوال ومستوى النظر، مما يقلل من الانحناء المفرط.

  • إغلاق الإشعارات: لضمان عدم مقطعية التلاوة برسائل التنبيه التي قد تخرج القارئ من حالة الخشوع والتدبر.

  • طهارة البدن والمكان: على الرغم من جواز القراءة من الجوال دون وضوء (لعدم صدق حكم المصحف الورقي عليه)، إلا أن الأفضل والأكمل دائماً هو الوضوء واستقبال القبلة.

الخلاصة الفقهية

خلاصة القول في هذه المسألة أن الاتكاء أثناء القراءة من الجوال جائز ولا إثم فيه، لعدم وجود نص يمنع ذلك، ولأن الجوال لا يأخذ حكم المصحف الورقي من حيث الأحكام الخاصة بالمس والحمل. غير أن العبد المؤمن ينبغي له ألا يحرص على الأخذ بالرخص إلا لحاجة، بل يتخُّر أحسن الهيئات وأشرفها إجلالاً لكلام خالقه، متأسيماً بقوله تعالى:

ومنيعظمشعائراللهفإنهامنتقوىالقلوب

.