المحتويات
يُعدّ الحديث عن عرش الرحمن سبحانه وتعالى أحد أعظم الموضوعات التي تلامس شغاف قلوب المؤمنين، لما يمثله العرش من أعظم المخلوقات وأعلاها وأوسعها تحيط بالسماوات والأرض. وحين يطرح المسلم التساؤل الإيماني المهيب: متى يهتز عرش الرحمن؟، فإن العقل المسلم يستحضر فوراً النصوص النبوية الصحيحة التي وضعت إجابة حاسمة ودقيقة لهذا التساؤل، بعيداً عن الروايات الضعيفة أو الإسرائيليات التي لا أصل لها في الدين.
المفهوم العقدى للعرش وعظمته في الإسلام
العرش في العقيدة الإسلامية الصحيحة هو أعظم مخلوق أوجده الله عز وجل، وهو سرير الملك الذي استوى عليه الرحمن استواءً يليق بجلاله وعظمته، بلا تشبيه ولا تمثيل، وبلا كيف. وقد ورد في وصفه ودلالة عظمته آيات بيضات وأحاديث شريفة تفيد بأنه سقف المخلوقات وأعلاها، وحملته هم ملائكة عظام أقوياء وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن ما بين شحمة أذن أحدهم وعاتقه مسيرة سبعمائة عام.
مخلوق مسخر: العرش جسم عظيم خلقه الله تعالى وقدره، وهو منقاد لأمره سبحانه، يتحرك أو يهتز إذا شاء الله وأراد وفق مشطقته وحكمته المطلقة.
التنزيه الإلهي: يجب الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة بشأن العرش من غير تأويل محرف أو تعطيل جاف، مع التسليم التام بأن الله عز وجل غني عن العرش وعن العالمين، فالعرش محتاج إلى رب العالمين وهو سبحانه العلي العظيم.
الحادثة الثابتة: متى اهتز العرش حقاً؟
إن الثابت قطعاً في السنة النبوية المطهرة، والمروي في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة المعتمدة، أن عرش الرحمن قد اهتز لفرحة عليا بموت صحابي جليل. هذا الحدث الفريد والاستثنائي تمثل في وفاة سيد من أسياد الأنصار، وحامل راية الإسلام، الصحابي الهمام سعد بن معاذ رضي الله عنه.
فقد ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اهْتزَّ العرشُ لموتِ سعدِ بنِ معاذٍ". وفي رواية أخرى صحيحة وردت عند الإمام أحمد وغيره: "هذا العبد الصالح الذي تحرّك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة لم يهبطوا إلى الأرض قبلها...".
دلالات اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ
إن هذا الاهتزاز العظيم لم يأتِ عبثاً، بل حمل في طياته دلالات عقدية وروحية كبرى تؤكد مكانة الإيمان، والتضحية، والثبات على دين الله عز وجل. ومما يلاحظ في هذا السياق:
فرح الملائكة والرب سبحانه: ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن اهتزاز العرش كان فرحاً واسترشاراً بقدوم روح هذا العبد الصالح الذي دافع عن الإسلام بحرص وإخلاص منقطع النظير.
عظمة المنزلة: إنكار بعض الصحابة في بداية الأمر كالبراء بن عازب أو ابن عمر رضي الله عنهم ثم رجوعهم وتصديقهم للخبر، يدل على عظم الأمر وندرته، حتى كأنه أمر يستبعد وقوعه إلا لعظيم القدر عند الله.
الرد على الخرافات: يلاحظ هنا وجوب التيقظ والتفريق؛ إذ لم يثبت في النصوص الصحيحة أن عرش الرحمن يهتز لارتكاب المعاصي أو الفواحش كما يتناقل بعض العامة، فالعرش لا يهتز إلا بإذن الله ولمن أراد الله إكرامه وإظهار عظمته ورفعة قدره في الملأ الأعلى.
إليك الخاتمة والجزء الثاني من المقال بلغة عربية فصيحة وبأسلوب رصين ومؤثر، يجسد روح الدعوة للعمل واليقظة الإيمانية:
عتبات اليقظة: متى يتحرك القلب قبل العرش؟
إن الحديث عن اهتزاز عرش الرحمن ليس مجرد مادة للتأمل العاطفي أو استعراض للمعلومات الغيبية، بل هو ناقوس خطر إلهي يقرع أبواب القلوب الغافلة. حين يرحل العبد الصالح الذي انتصر للمستضعفين أو قضى دينه وسعى في إصلاح ذات البين، يهتز العرش إجلالاً لعظم أثره في الأرض، وكأن السماء تقول للبشرية جمعاء: إن قيمة الإنسان لترتبط ارتباطاً وثيقاً بحجم نفعه لخلقه، وبمدى إخلاصه لخالقه في السر والعلن.
هنا يقف العاقل مع نفسه وقفة محاسبة جادة: ماذا قدمت في صحيفتي؟ هل أنا من أولئك الذين تذكرهم السماء بالخير حين يرحلون، أم أن وجودي وعدمي سواء في ميزان العمل الصالح؟ إن الأمة اليوم لا تحتاج إلى مجرد مستمعين للقصص، بل تحتاج إلى صناع أثر، يبدأ كل واحد منهم بإصلاح بيته، ونصرة مظلومه، وأداء حق ربه قبل أن يباغته الأجل.
خذ القرار اليوم، ولا تأجل التوبة والعودة إلى الله. اجعل من أفعالك رصيداً يرفع قدرك في الملأ الأعلى، واحرص على ألا تفارق الدنيا إلا وقد تركْتَ خلفك أثراً طيباً يظل يذكرك بالخير في السماوات والأرض.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.