المحتويات
تُعدّ مسألة الغاية من خلق الإنسان من أعظم وأعمق الأسئلة التي طرقت عقول البشر على مر العصور، إذ ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعنى الوجود، والهدف من الحياة، ومصير الإنسان في هذه الدنيا وما بعد الموت. وفي الفكر الإسلامي الشيعي المعاصر، يبرز المنهج المعرفي والعقائدي لسماحة مرجع التقليد الكبير، آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله الوارف)، ليعالج هذه القضية برؤية عميقة تستند إلى نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة، ممتزجة بالبرهان العقلي والفلسفي الرصين.
يهدف هذا المقال، في جزئه الأول، إلى تسليط الضوء على الأبعاد الفلسفية والعقائدية الكبرى التي يطرحها السيد السيستاني وتلامذته وشارحو فكره حول علة الخلقة، متناولاً مفهوم الحكمة الإلهية، والفرق بين الغايات التي تعود للخالق سبحانه وتلك التي تعود للمخلوق نفسه.
أولاً: نفي الغاية النفعية والاحتياج الإلهي
من أبجديات التوحيد في المدرسة العقائدية التي يتبناها السيد السيستاني أن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين، فليس لخلقه للإنسان أي دافع يرجع إلى جلب منفعة لنفسه أو دفع مضرة أو استكمال نقص. فالله جل وعلا كامل مطلق، والكمال المطلق لا يعتريه عجز ولا يحتاج إلى شيء سواه.
وفي تفسير الآيات القرآنية المرتبطة بالخلقة، مثل قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، يؤكد المحققون في المدرسة الدينية في النجف الأشرف أن "اللام" في الآية الكريمة ليست لام الغاية التي تعود بالمنفعة على الفاعل (كما هو الحال في أفعال البشر الذين يعملون لتحصيل غاية أو منفعة تنقصهم)، بل هي لام العاقبة أو الغاية العائدة على المخلوق نفسه.
بمعنى أخر، إن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان لحاجة منه إليه جل جلاله، بل خلق الإنسان ليُفيض عليه من رحمته وجوده، وليبلغه مراتب الكمال اللائق به. فالغاية من الخلقة مرجعها الفيض الإلهي والجود المطلق، حيث إن من شأن الجود الإعطاء والإفاضة، والخالق عز وجل جوّاد بطبعه، واقتضت حكمته أن يُخرج الموجودات من عدم إلى وجود لتنال حظها من الوجود والرحمة.
ثانياً: الخلقة ابتلاء واختبار وتمحيص
من الركائز الأساسية التي يركز عليها الفكر العقائدي المترشح عن المدارس الفقهية والكلامية الرصيدة في النجف، والتي تتجلى في تقريرات البحوث والأجوبة العقائدية الصادرة عن مكتب السيد السيستاني، أن الحياة الدنيا هي دار ابتلاء وامتحان.
الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مزوداً بالقدرة والاختيار والإرادة، وأنعم عليه بالعقل والنبيين والرسل، ليكون محطاً للتكليف الإلهي. وليست العبادة هنا مجرد طقوس مجردة، بل هي مسار تكاملي يصقل روح الإنسان ويهذب نفسه. فالإنسان بخلقه يمر في مرحلة اختبار حقيقي لمدى إرادته وقدرته على طاعة الخالق وتقديم القيم الإنسانية والأخلاقية والتوحيدية على الشهوات والرغبات المادية البحتة.
ويشير الطرح العقائدي المرتبط بهذا السياق إلى أن هذا الاختبار هو الوسيلة الوحيدة ليبلغ الإنسان درجات الاستحقاق الحقيقي للثواب والسعادة الأبدية. فالكمال الذي يناله الإنسان عبر الاختيار الواعي والطريق الشاق للعبادة والتقوى هو كمال مكتسب، وهو أشرف وأعلى بكثير من الكمال الذاتي التكويني الذي تتصف به الملائكة مثلاً.
ثالثاً: العبادة بوصفها طريقاً للوصول إلى المعرفة والكمال
عندما يتطرق الفكر المرتبط برؤية السيد السيستاني لمفهوم "العبادة" الوارد في الآية الشريفة، فإنه لا يحصرها في حدود الأفعال العبادية الضيقة (كالصلاة والصيام فحسب)، بل يتجاوزها إلى المعنى الأوسع والأشمل الذي يشمل:
المعرفة الحقة: معرفة الخالق سبحانه وتعالى بصفاته وأسمائه الحسنى.
الخضوع الواعي: تسليم القلب والعقل المطلق لله عز وجل عن بصيرة واختيار.
التزكية الأخلاقية: تطهير النفس من الرذائل والشوائب الدنيوية لتكون قابلة للتجليات الإلهية والوصول إلى القرب من الله.
وبهذا المعنى، تصبح العبادة هي الآلية والوسيلة التي يحقق بها الإنسان هدفه الأساسي من الوجود؛ فالإنسان خُلق ليتكامل، والكمال الحقيقي يتمثل في القرب من المبنى المطلق للوجود والكمال (الله سبحانه وتعالى). وكلما اقترب الإنسان من الله علماً وعملاً واخلاقاً، كلما اقترب من تحقيق الغاية الكبرى من إيجاده.
استشراف الجزء القادم
في ختام البحث حول الغاية من خلق الإنسان وفقاً لرؤية سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله)، يتضح جلياً أن الرؤية الدينية تتجاوز الأطر المادية البحتة لتلتقي مع أعماق الفطرة الإنسانية والتكامل الروحي. فالإنسان لم يُخلق عبثاً، بل وُجد ليكون خليفة الله في الأرض، وموضعاً لتجلي أسمائه الحسنى وصفاته العُليا من خلال الاختيار الواعي والمعرفة الحقيقية.
أبعاد التكامل الإنساني والمسؤولية الكبرى
يرتكز البناء العقدي والأخلاقي في فكر السيد السيستاني على محورية العبادة الواعية، التي لا تقتصر على إقامة الشعائر الظاهرة فحسب، بل تمتد لتشمل:
تزكية النفس وتطهيرها: إن ترقي الروح الإنسانية وتحررها من قيود الشهوات والأنانية هو المعبر الحقيقي لبلوغ القرب الإلهي المنشود.
إعمار الأرض بالعدل والقيم: إن الخلافة الإنسانية تستوجب إقامة العدل، ونشر الفضيلة، وخدمة المجتمع الإنساني بروح المسؤولية والأمانة.
الوعي والمسؤولية الاختيارية: يُميز التكليف الإنساني بكونه نتاجاً لإرادة حرة، فمن خلال الابتلاء والتمحيص، يختار الإنسان طريق السعادة والكمال بكامل إرادته ووعيه.
وعليه، فإن العودة إلى الله سبحانه وتعالى بوصفه المبدأ والمعاد تُمثل الغاية النهائية لكل كدح بشري. إن فهم هذه الغاية يُحرر الإنسان من العبثية والضياع، ويمنح حياته اليومية معنىً عميقاً وأفقاً أبدياً يتجاوز حدود الفناء المادي.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.