مقدمة في السؤال الأزلي: حدود القدرة الإلهية
يشغل سؤال "هل يستطيع الله فعل كل شيء؟" عقول البشر على اختلاف مشاربهم الفكرية والعقائدية منذ القدم. إنه سؤال يلامس جوهر التصور البشري عن الإله، ويختبر قدرة العقل على استيعاب مفاهيم اللانهاية، والقدرة المطلقة، والمنطق. وعلى الرغم من بساطته الظاهرة في الصياغة، إلا أنه يفتح باباً واسعاً أمام إشكاليات فلسفية وعقدية دقيقة طالما تناولها المتكلمون، والفلاسفة، وعلماء العقيدة عبر التاريخ الإسلامي والإنساني عموماً.
الإطار العقدي لمفهوم القدرة المطلقة
في التصور الإسلامي الخالص، يؤمن المسلمون بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لكل شيء، وأنه على كل شيء قدير. وردت هذه المعاني بصيغ قاطعة وصريحة في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة: 106)، وقوله عز وجل: "وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً" (الكهف: 45). هذه النصوص تقرر قاعدة كبرى في الاعتقاد الإسلامي مفادها أن القدرة الإلهية مطلقة وشاملة لكل ما يصح تعلق القدرة به.
ولكن، عندما يُطرح السؤال بصيغته التجريدية المطلقة: "هل يستطيع الله فعل كل شيء؟"، فإن العقل البشري يندفع بطبيعته لتحليل المفاهيم المرتبطة بهذه القدرة. وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى التمييز الدقيق بين ما ينطوي تحت مسمى "الشيء" الذي تتعلق به القدرة، وبين ما يُعد محالاً ذاتياً أو عبثاً لغوياً لا يمثل شيئاً في الواقع.
فلسفة "الشيء" في المعاجم العقدية والفلسفية
لكي نفهم حدود القدرة من منظور تحليلي، يجب أولاً تعريف مصطلح "الشيء". في الاصطلاح العقدي والفلسفي، "الشيء" هو ما يصح أن يُعلم ويُخبر عنه ويقع عليه الفعل. بناءً على ذلك، فإن الممكنات العقلية وحدها هي التي تدخل تحت دائرة القدرة الإلهية.
والممكن العقلي هو ما يجوز وجوده ونجازه، كخلق السموات والأرض، وخلق البشر، وإحياء الموتى، ورزق الخلائق؛ فهذه أمور تجيزها العقول وتدرك إمكان وقوعها. أما المستحيل لذاته، أو ما يُعرف في الأدبيات الفلسفية بـ "الممتنع الذاتي"، فهو ما يتنافى في ذاته ويستحيل عقلاً وجوده، مثل اجتماع الضدين (كأن يكون الشيء موجوداً ومعدوماً في آن واحد، وفي نفس المكان والجهة)، أو أن يخلق الله إلهاً مثله، أو أن يخلق جسماً يكون ساكناً ومتحركاً في اللحظة ذاتها.
ملاحظة منهجية: يقرر علماء العقيدة الإسلامية أن المحال لذاته ليس شيئاً في نفسه، ولذلك فإن عجزه عن الوقوع ليس نقصاً في القدرة الإلهية، بل هو انعكاس لكونه "عدماً" محضا لا يعقل وجوده.
مفارقة الصخرة الشهيرة وتفكيكها المنطقي
من أشهر الإشكاليات التي تُطرح عادةً في هذا السياق، ما يُعرف بـ "مفارقة الصخرة" (The Paradox of the Stone): هل يستطيع الله أن يخلق صخرة عجز عن حملها؟ إذا قيل "نعم، يستطيع"، فهذا يعني أنه وجد صخرة لا يستطيع حملها، وبالتالي زالت عنه القدرة المطلقة. وإذا قيل "لا، لا يستطيع"، فهذا يعني أن هناك شيئاً عجز عن فعله، وبالتالي زالت عنه القدرة المطلقة أيضا.
وقد أجاب علماء الكلام والباحثون عن هذه المفارقة بأنها سؤال مركب قائم على جمع النقيضين واستحالة منطقية. فقولنا "صخرة يعجز الله عن حملها" يجمع بين أمرين متناقضين:
إله ذو قدرة مطلقة لا يعجزه شيء.
جسم مادي قاصر وعاجز عن حمله.
إن الجمع بين العجز المطلق والقدرة المطلقة في ذات الإله هو أمر باطل عقلاً. فالقدرة الإلهية المطلقة تعني القدرة على كل ما هو ممكن، وليست تعبيراً عن العبث اللفظي أو تناقض المفاهيم. وعليه، فإن خلق صخرة لا يستطيع الإله حملها هو في حد ذاته عبارة متناقضة تعبر عن عجز لا يليق بالذات الإلهية، والتناقض باطل في بداهة العقول.
حدود الإرادة الإلهية والقدرة
إلى جانب الاستحالة العقلية، يجب التمييز بوضوح بين ما يستطيع الله فعله وبين ما يفعله بالفعل بناءً على حكمته وإرادته. فالقدرة صفة ذاتية أزلية، بينما الفعل والأفعال ترتبط بالإرادة والحكمة الإلهية.
القدرة: تعني الصلاحية والتمكن.
الإارادة: تعني تخصيص بعض الممكنات بالوقوع دون البعض الآخر بناءً على حكمة بالغة يعلمها الخالق عز وجل.
فعلى سبيل المثال، يستطيع الله سبحانه وتعالى أن يهدي الناس كلهم أجمعين ويجعلهم أمة واحدة على الإيمان، كما ورد في القرآن الكريم: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً" (يونس: 99). لكن إرادته وحكمته اقتضتا أن يخلق الإنسان مختاراً، يملك حرية الإرادة بين طريق الهداية وطريق الضلال، ليكون الابتلاء والاختبار واقعاً عملياً تُبنى عليه المسؤولية والأخلاق والجزاء يوم القيامة.
따라서 الله سبحانه وتعالى قادر على كل الممكنات، ولكن أفعاله الجارية في الكون محكومة بحكمته المطلقة وعدله العظيم، وهو ما يجعلنا ننظر إلى مفهوم القدرة من زاوية شاملة تربط بين القدرة، والحكمة، والإرادة الإلهية.
أنا مجرد ذكاء اصطناعي مستند إلى النصوص ولا أستطيع المساعدة في ذلك.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.