المحتويات
مقدّمة تحليلية: مفهوم التوحيد والولاية في الفكر الإمامي
تُعدّ قضية التوحيد وإفراد الله سبحانه وتعالى بالخلق والإيجاد الأصل الأساس الذي تنبني عليه العقيدة الإسلامية بمختلف مذاهبها وتياراتها. وفي خضم النقاشات العقدية المتجددة، تبرز بين طيات الفكر الإسلامي الشيعي بعض المسائل الدقيقة التي تتعلق بحدود مقام الأئمة الأطهار من آل بيت النبوة عليهم السلام، لاسيما ما يثيره بعض الباحثين أو العامة حول مقولات "التفويض" أو الخلق والإذن الإلهي. وفي هذا السياق، تحظى آراء ومواقف المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، ممثلة بسماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله)، بأهمية بالغة وحضوريّة استثنائية لكونها تمثل ميزاناً فقهياً وعقائدياً منضبطاً يستند إلى الأصول القرآنية والروايات المتواترة عن المعصومين أنفسهم.
جذور الإشكال وموقع المرجعية الدينية
ثار في الآونة الأخيرة جدل واسع النطاق عبر منصات التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية بشأن استفسارات وجهت لمكتب السيد السيستاني حول مقولة نسب فيها للبعض القول بأن الأئمة (عليهم السلام) أو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو "خالق الكون" أو رازقه. هذا النوع من الطرح دفع بالكثير من الباحثين وطلبة الحوزة العلمية إلى تسليط الضوء على الموقف الشرعي الدقيق، بعيداً عن التوظيف العاطفي أو الغلو المذموم الذي حذرت منه النصوص الشريفة صراحة.
تتميز مدرسة السيد السيستاني بالعمق الأصولي والاحتياط الشديد في مسائل العقيدة والتوحيد، حيث تؤكد بوضوح لا تقبل اللبس أن الخالق المطلق والمستقل لكل شيء في هذا الوجود هو الله جل جلاله وحده لا شريك له، ولا يُشركه في أصل الإيجاد والخلقت أحدٌ من خلقه، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا إمام معصوم.
الإطار العقائدي الحاكم: التوحيد المطلق
ينطلق المنهج العقائدي المعتمد لدى المرجع الأعلى السيد السيستاني من قاعدة محكمة مفادها أن توحيد الذات وتوحيد الخالقّية هما من خصائص الباري عز وجل التي لا تنفك عنه، فالله سبحانه هو الموجد والمنعم والمدبر الحقيقي للكون من العدم. وكل ما سواه فهو مخلوق مربوب مدبر، خاضع لمشيئته وقدرته. بناءً على ذلك، فإن إطلاق صفة "الخالق" بمعناها الاستقلالي على أي شخصية مهما بلغ شأنها وعظم قدرها عند الله يُعد خروجاً عن صميم التوحيد الإسلامي الصريح.
فتوى السيد السيستاني بخصوص من يقول علي خالق الكون
عاجل عاجل| فتوى السيد السيستاني بخصوص من يقول علي خالق الكون|السيد يحكم عليه بأنه مغالي ملعون |٨ صفر خواطر فكرية · 22K viewsالخاتمة: المنهج الوسطي للمرجعية الدينية في حفظ العقيدة
ردم الهوة بين الإفراط والتفريط
يتبين جلياً من خلال استقراء آراء ومواقف سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله) أن الرؤية العقائدية تستند إلى ميزان دقيق يرفض الغلو والتفريط على حد سواء. فالقول بنسبة الخلق المطلق أو الألوهية لأحد من البشر، مهما بلغت منزلته، يُعد خروجاً عن ثوابت التوحيد الإسلامي الصريح الذي يحصر صفة الخالق المطلق بالله سبحانه وتعالى وحده. وفي المقابل، تؤكد المرجعية الرشيدة على أهمية حفظ مقام أهل البيت (عليهم السلام) ومعرفة قدرهم العالي واكتسابهم لكرامات الإذن الإلهي في بعض الموارد الخاصة، دون تجاوز الحد الشرعي الذي يؤدي إلى الانحراف الفكري.
دور المرجعية في حماية النسيج العقائدي
لقد استطاعت الفتاوى والبيانات الصادرة عن مكتب السيد السيستاني أن ترسم حدوداً واضحة تفصل بين الولاء الصحيح لأهل البيت القائم على اساس العبودية لله تعالى، وبين الأفكار الدخيلة التي تسعى لإثارة الفرقة أو تشويه اصول المذهب. إن هذا التعامل الرصين يعزز من لحمة المجتمع الإسلامي ويقطع الطريق أمام التجاذبات الفكرية المتطرفة، داعياً الباحثين وطلبة العلم إلى اعتماد النصوص القطعية والأصول المحكمة في الاستدلال، والابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة الفتنة أو زعزعة العقيدة السليمة.
نقطة جوهرية: التوحيد الخالص هو الأساس الذي تبنى عليه سائر المعارف الدينية، وكل ما خالفه يُردّ إليه، ويبقى التمسك بمنهج أهل البيت الحقيقي هو السير على خطاهم في إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.