محطات أواخر الأيام: بين الصداع الشديد والتحسن المؤقت
تُظهر الروايات السيرية والتاريخية المعتمدة أنَّ بداء مرض النبي صلى الله عليه وسلم كان بصداعٍ أُصيب به في أواخر صفر، واشتد عليه الوجع تباعاً حتى استأذن أزواجه في أن يُممرَّض في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فأذَنَّ له. وقد تفاوتت تقديرات أهل العلم والمحققين في تحديد الأيام الدقيقة لهذا المرض؛ فبينما ذهب الجمهور والأكثر من المؤرخين إلى أنَّ مدة المرض بلغت ثلاثة عشر أو أربعة عشر يوماً، ذهبت روايات أخرى صحيحة إلى أنها عُدَّت بعشرة أيام.
الدروس العظيمة في ساعات الختام
لم تكن تلك الأيام الفاصلة مجرد مرحلة احتضار بشري، بل كانت مفعمة بالوصايا العظيمة والإشارات المنهجية التي أرسى بها النبي صلى الله عليه وسلم قواعد استمرارية الأمة. ولعلَّ أبرز المشاهد تمثُّلاً في تلك الفترة:
إمامة أبي بكر الصديق: عندما اشتدَّ المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يُطق الخروج، أمر أن يُصلي بالناس أبو بكر رضي الله عنه، في إشارة ضمنية وعملية عظيمة رضي فيها النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ما رضيه المسلمون لدينهم ودنيامهم.
الخروج الأخير: قبل وفاته بيومين أو ثلاثة، وجد النبي صلى الله عليه وسلم خفّةً في جسمه، فخرج محمولاً بين رجلين إلى المسجد ليُتابع مشهد الجماعة ويرى استقامة صفوف أصحابه، وابتسم حينها فرحاً بما رأى من صلاح حالهم.
الوصية الأخيرة: ركَّز النبي صلى الله عليه وسلم في أنفاسه الأخيرة على تقوى الله، وحفظ الصلاة، والرعاية التامة لمن ملكت الأيمان، مردداً بلسان الشفقة على أمته: (الصلاة وما ملكت أيمانكم)، حتى فاضت روحُه الشريفة ضحى يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول.
بهذا التداخل العجيب بين ألم الوجع وعظم البلاغ، طوت الأمة الإسلامية صفحة الوحي المباشر من السماء، ليبدأ تاريخ الراشدين في حمل الأمانة واستكمال المسيرة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.