الإطار الشرعي وموقف الإمام ابن باز من تصوير ذوات الأرواح

مقدمة حول انتشار فن الأنمي والجدل الفقهي المحيط به

شهد العصر الحديث طفرة هائلة في انتشار فنون الثقافة المرئية، وفي مقدمتها فن "الأنمي" (Anime) الياباني، الذي بات يتربع على عرش اهتمامات ملايين الشباب والنشء حول العالم وفي العالم العربي خصوصاً. ومع هذا الإقبال الواسع، تبرز تساؤلات ملحة لدى المهتمين بهذا المجال من الهواة والرسامين حول الضوابط الشرعية لتجسيد ورسم هذه الشخصيات. وتتجه الأنظار دائماً نحو فتاوى الأعلام ورسوخ العلماء الكبار كالإمام المجدد الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- لبيان الحكم الشرعي الدقيق في هذه المسائل المعاصرة.

التأصيل الفقهي لمسألة الرسم عند الإمام ابن باز

يؤصل الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- لمسألة الرسم والتصوير انطلاقاً من النصوص الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير الشديد من مضاهاة خلق الله، وتصوير ذوات الأرواح من إنسان أو حيوان.

  • حكم رسم ذوات الأرواح: يرى الإمام ابن باز أن رسم الكائنات الحية (ذوات الأرواح) باليد -سواء كان ذلك بالطرق الكلاسيكية أو بأساليب الرسم الحديثة والكاريكاتيرية- يدخل في عموم الأحاديث المحرمة للصور. وقد نصّ -رحمه الله- في فتاويه المتعددة على أن الرسم اليدوي لذوات الأرواح يُعد من المنكرات الظاهرة التي يجب اجتنابها، نظراً لثبوت النصوص الصريحة باللعن والوعيد لمن قام بذلك.

  • الفرق بين الرسم الفوتوغرافي واليدوي: يفرق المحققون من أهل العلم بناءً على تقريرات ابن باز وغيره بين التصوير الفوتوغرافي الآلي (حبس الظل بالآلة) وبين الرسم اليدوي الإنشائي؛ حيث يُعد الرسم اليدوي مضاهاة محضة وخلقاً للصورة لم يكن موجوداً، وهو الموضع الذي تنطبق عليه أحاديث النهي والوعيد بصورة مباشرة، لكونه يتضمن إيجاد صورة لذي روح لم تكن موجودة بصورتها المرسومة.

انطباق الأحكام على رسوم "الأنمي" والرسوم الكرتونية

بناءً على التأصيل المتقدم، فإن رسوم "الأنمي" والقصص المصورة (المجسمة أو المرسومة على الورق والشاشات) تخضع لذات الأحكام العامة المتعلقة بذوات الأرواح:

  1. طبيعة شخصيات الأنمي: تتخذ شخصيات الأنمي غالباً هيئة الإنسان أو الحيوان (سواء كانت واقعية أو خيالية مبالغاً في ملامحها)، مما يجعلها مندرجة تحت مسمى "ذوات الأرواح".

  2. العلة الشرعية: تدور العلة الأساسية في منع هذا النوع من الرسم حول محذور "المضاهاة" لخلق الله سبحانه وتعالى، إضافة لما قد يصاحب متابعة هذه الفنون أحياناً من إضاعة للأوقات فيما لا نافع فيه، أو تضمن بعض الأعمال لمخالفات عقدية أو أخلاقية تنافي آداب الإسلام.

  3. الاستثناءات (ما لا روح فيه): في المقابل، استثنى الإمام ابن باز بوضوح ما لا روح فيه؛ رسوم الطبيعة، الجمادات، النباتات، والأنهار، حيث أكد أنه لا حرج في رسمها أو اقتنائها لعدم دخولها في النصوص المحذرة.

الخلاصة والضوابط الشرعية لرسم الرسوم المتحركة

تأسيساً على ما سبق بيانه من فتاوى سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز -رحمه الله- وغيره من أهل العلم، فإن الحكم الشرعي يدور مع علته وجوداً وعدماً. ورسوم "الأنمي" والرسوم الكرتونية عموماً، نظراً لكونها تمثل غالباً كائنات حية (إنسان أو حيوان)، فإنها تدخل في عموم أحاديث النهي الشديد والوعيد الوارد في التصوير، بغض النظر عن كون هذه الشخصيات خيالية غير حقيقية أو كرتونية ذات عيون واسعة وملامح مبالغ فيها؛ فالعلة في تحريم التصوير اليدوي تحققت بمضاهاة خلق الله فيما يمتلك روحاً.

ولكن، لكي يكون الصورة كاملة ومنصفة للمهتمين بهذا الفن، يجب التفريق بين عدة حالات وضوابط استثنائية أقرها العلماء:

  1. الرسم غير التام (المقطوع الأجزاء): ذهب جمهور أهل العلم، استناداً للأدلة وقواعد الفقه، إلى أن الصورة إذا غُيِّرَت ملامحها بحيث لا تبقى الحياة بدونها -كأن تكون رأساً بلا جسد، أو جسداً بلا رأس، أو تفريغ الوجه من ملامحه الأساسية كالأنف والفم وعينين واضحتين تعيشان بها الكائنات- فإنها تخرج عن دائرة النهي المحرم، لعدم مضاهاة الخلق التام.

  2. رسم ما لا روح فيه: أما رسم الطبيعة، الجمادات، السيارات، الجبال، النباتات، والأشجار، فهذا أمر جائز لا حرج فيه إطلاقاً، وقد نص الشيخ ابن باز -رحمه الله- على إباحة ذلك لعدم دخوله في محظور ذوات الأرواح.

  3. الضرورة أو الحاجة المعتبرة: كاستخدام بعض الرسوم التعليمية البسيطة للأطفال في المناهج، أو ما كان ممتهناً (كالرسوم على السجاد أو الأغطية بطريقة لا فيها تعظيم ولا إبراز للتعظيم)، فهذه مواضع رخص فيها بعض أهل العلم بشروط ضيقة.

نصيحة توجيهية للشباب والرسامين: إن الهوايات الطيبة كالفن والرسوم الرقمية يمكن توجيه طاقات الشباب فيها نحو الإبداع النافع المباح؛ فرسم الجماليات الطبيعية، والتصميم الهندسي، والخط العربي، وابتكار الشخصيات الصامتة أو غير ذات الأرواح، يفتح آفاقاً واسعة للإبداع الفني دون الوقوع في شبهة المحظور الشرعي أو الإثم. ومن ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه، والواجب على المسلم تحري الحلال والبحث عن السلامة لدينه في كل ما يطرحه وينتجه من أعمال فنية.