المحتويات
مقدمة: السيرة العطرة واصطفاء الأنساب
تعد السيدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أم خاتم الانبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، من أعظم نساء العالمين شرفاً ومكانةً. فقد اختارها الله سبحانه وتعالى بحكمته البالغة لتكون الوعاء الطاهر والمنارة الكريمة التي يحمل في أحشائه النور المحمدي الذي أضاء الكون. إن الحديث عن كيفية حمل السيدة آمنة بالنبي صلى الله عليه وسلم يفتح أبواباً واسعة من التأمل في دلائل العناية الإلهية التي أحاطت بميلاد خير البرية منذ اللحظات الأولى لتكوينه في رحِمِ أمه.
الزواج المبارك واقتران النورين
لقد سبقت قصة الحمل المبارك مرحلة ارتباط مباركة جمعت بين والد النبي، عبد الله بن عبد المطلب، وبين آمنة بنت وهب. وكان عبد الله بن عبد المطلب فتى قريش وأجملهم، وقد ظهرت على وجهه أمارات النور والشرف الذي ورثه عن آبائه الأطهار في سلسلة النسب الشريف المحفوظ بحفظ الله ورعايته.
بعد أن نجا عبد الله من الذبح بالفداء المعروف بمائة من الإبل، أراد الله سبحانه أن يجري كلمته وقدره، فخطبه عبد المطلب لآمنة بنت وهب التي كانت تعد من أفضل نساء قريش نسباً وموضعا. وقد تم الزواج المبارك في بيت عمها أو ولي أمرها بمكة المكرمة، ودخل بها عبد الله، فأقام عندها تلك الأيام الأولى التي كتب الله أن تشرق فيها شمس النبوة وتنتقل ودائع الرسالة إلى مستقرها المختار في رحم السيدة آمنة.
ظروف الحمل المبارك وخصائصه الفريدة
تُشير روايات السيرة النبوية الثابتة وكتب التاريخ الإسلامي إلى أن حمل السيدة آمنة بنت وهب برسول الله صلى الله عليه وسلم تم في أيام مباركة، وغالباً ما تذكر الروايات أن ذلك كان في أيام التشريق في شعب أبي طالب أو بمكة المكرمة. وما يميز هذا الحمل العظيم أنه لم يكن حملاً معتاداً كباقي أحمال النساء، بل حففته الخوارق والكرامات الإلهية دلالةً على عظم المولود ومكانته عند خالقه.
فقد روت السيدة آمنة قصة حملها بنفسها في نصوص التاريخ، مؤكدة أنها لم تشعر بما تجده النساء عادةً من الثقل أو الوحم أو المشقة الشديدة في أول شهور الحمل. لقد مرّ حملها بخفة وسكينة تامة، وكأن القدر الإلهي أراد أن يُجنب هذا الوعاء المبارك أي ألم أو عناء يعكر صفو هذه الرسالة العظيمة. تقول السيدة آمنة في الروايات المعتمدة: "ما شعرت بأني حملت به، ولا وجدت له ثقلة كما تجد النساء، إلا أني أنكرت رفع حيضتي". وهو ما يعكس الطمأنينة المطلقة والاصطفاء الخاص الذي غمرها طوال مدة الحمل التي تميزت بالسلام والطهارة المطلقة.
تجليات الحمل وبشائر النور المحمدي
تُجمع كتب السيرة النبوية والمصادر التاريخية الموثوقة على أن فترة حمل السيدة آمنة بنت وهب برسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم تكن حملاً تقليدياً، بل حفلت بالخصائص الفريدة والنفحات الإلهية التي ميزت هذه المرحلة المبكرة من حياة خير الأنام. فقد روت السيدة آمنة نفسها أنها لم تشعر البتة بثقل الحمل ولا بمشقته المعتادة التي تجدها النساء، بل مرّ حملها بيسر تام وخفة مذهلة لم تكن تخطر على بال، وكأن العناية الإلهية كانت تحوط الجنين وأمه بلطف خفي ورعاية خاصّة.
إلى جانب ذلك، تجلت البشائر الكبرى في الرؤى الصادقة والأحداث غير العادية؛ فقد أتاتها البشارات في منامها على فترات متقطعة، حيث قيل لها وهي بين النائم واليقظان: "إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ونبيها". كما أُمرت أن تسميه عند وضعه "محمداً" أو "أحمد"، وأن تعوذَه بالواحد الصمد من شر كل حاسد. ولم تقتصر المعجزات على شعورها الداخلي فحسب، بل رأت السيدة آمنة نوراً ساطعاً خرج منها فأضاءت له قصور بصري من أرض الشام، وهو ما كان رمزاً للإشعاع الحضاري والروحي الذي سيحمله هذا المولود للبشرية جمعاء.
وفي خضم هذه الأجواء الربانية، فارق والد النبي، عبد الله بن عبد المطلب، الحياة مبكراً أثناء عودته من رحلة تجارية إلى الشام ودفن في المدينة المنورة، ليوولد النبي -صلى الله عليه وسلم- يتيم الأب، متفرداً بحفظ الله ورعايته منذ لحظات تكوينه الأولى. هكذا انقضت أشهر الحمل تسعة كاملة في سلام وطمأنينة تامة، لتتأهب مكة ومعهما الكون بأسره لاستقبال النور الذي أخرج الناس من ظلمات الجهل إلى ضياء الإيمان، ولتبدأ صفحة مجيدة من أطهر سير البشرية وأعظمها قدراً.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.