لماذا ذكر الرسول في الإنجيل بأحمد وليس محمد؟
تشغل البشارات الواردة في الكتب السماوية السابقة عقول الباحثين والدارسين للمقارنة بين الأديان، ويبرز في هذا السياق تساؤل عميق حول النص القرآني الكريم الذي حكى عن لسان عيسى عليه السلام قوله تعالى: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}. وهنا يبرز التساؤل المثير: لماذا ورد اسم النبي صلى الله عليه وسلم في الإنجيل بصيغة "أحمد" وليس بصيغته الشائعة في القرآن "محمد"؟ لتحليل هذه المسألة، يجب الغوص في البُعد اللغوي والدلالي والتاريخي لهذه الأسماء المباركة التي أضفاها الله عز وجل على خاتم أنبيائه ورسله.
الدلالة اللغوية والفروق الجوهرية بين "محمد" و"أحمد"
يعدُّ كل من "محمد" و"أحمد" علمين لمنتخب الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه، إلا أن لكل اسم دلالة محددة واشتقاقاً لغوياً فريداً يوضح جانباً عظيماً من شخصيته وصفاته. اسم "محمد" هو اسم مفعول من التحمد، وهو الذي كثرت خصاله الحميدة حتى صار محموماً مراراً وتكراراً من الخلائق لا تحمد مرة واحدة بل مرات كثرة بعد كثرة لخصاله وفعاله.
أما اسم "أحمد" فهو على وزن "أفعل" التفضيل، ويحمل معنيين جليلين أشار إليهما علماء اللغة والتفسير:
أحمد الحامدين: بمعنى أنه هو الشخص الذي يحمد ربه عز وجل حمداً يزيد ويسمو على حمد العالمين أجمعين، فهو أعرفهم بالله وأكثرهم له حمداً وشكراً في السراء والضراء.
أحمد المحمودين: بمعنى أنه هو الذي يستحق أن يحمد أفضل مما يحمد غيره، وأنه أحق الناس بأن يُثنى عليه لجمال صفاته وكمال رسالته.
طبيعة الخطاب الإنجيلي وأمة المسيح
عندما نتدبر السياق التاريخي والديني لأمة المسيح عليه السلام، نجد أن التوراة امتازت بشريعة الأحكام والقصاص والحدود والتشريعات الصارمة، بينما جاء الإنجيل مفعماً بالمواعظ، والزهد، والأخلاق، والترقيق، والحض على التسامح والصفح. ولهذا السبب التضامني والتكاملي، توافق مجيء اسم النبي في الإنجيل بصيغة "أحمد" (أفعل التفضيل) ليدل على الفضل والكمال والأخلاق العالية التي تُكمل وتتوج شرائع الكتب السابقة. وكما يوضح الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله، فإن أمة المسيح عُرفت بالترقيق والروحانيات، فجاء الاسم موافقاً لروحانية الخطاب الإنجيلي الذي يعلي من شأن الفضل والثناء المتميز.
لماذا بشر الإنجيل بأحمد وليس بمحمد؟
هذا الفيديو مفيد لأنه يستعرض تفاصيل إضافية حول البشارات النبوية في الكتب السابقة والحكم الكامنة وراء اختلاف صيغ الأسماء بين الإنجيل والقرآن.
لماذا بشر الإنجيل بأحمد وليس بمحمد؟ الدكتور راغب السرجاني · 8.5K viewsخاتمةً لهذا التحليل العميق، يتجلى لنا أن اختيار اسم "أحمد" على لسان عيسى عليه السلام في الإنجيل لم يكن ولصدفة أو اختياراً عابراً، بل حمل أبعاداً دلالية وعقدية بالغة الأهمية. فاسم "أحمد" صيغة تفضيل تشير إلى أنه الشخص الذي يحمد ربه أكثر من غيره، أو هو الأحق بأن يحمد ويُثنى عليه لكثرة خصاله الحميدة وفضائله العظيمة.
ولقد توافقت آراء المفسرين والمحققين، كالإمام القرطبي وابن القيم وغيرهما، على أن مجيء البشارة بصيغة "أحمد" كان ملائماً لطبيعة شريعة الإنجيل التي غلب عليها الجانب الروحي، والأخلاقي، والترغيب في العفو والصفح، مما يجعل اسم التفضيل منسجماً مع كمال الفضائل. إضافة إلى ذلك، يمثل هذا الاختلاف الظاه بين اسمي "أحمد" و"محمد" حكمة إلهية بالغة في اختبار قلوب الناس وامتحان تمسكهم بالحق؛ لتمييز الصادقين في اتباعهم للهدى عمن يتخذون من التشابه ذريعة للجدل والإعراض.
وهكذا يتبين أن الاسمين يرجعان إلى أصل واحد ومسمى متطابق هو خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، الذي اجتمعت فيه كافة معاني المحامد والكمال البشري، لتبقى بشارات الأنبياء جميعاً مصباحاً يهددي الحيارى نحو النور المبين.
تشرح هذه المادة المصورة بعمق أسباب ورود اسم أحمد في الإنجيل وكيفية تطابقه مع صفات النبي الكريم.
لماذا بشر الإنجيل بأحمد وليس بمحمد؟ الدكتور راغب السرجاني · 8.5K views
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.