اللحظات الأخيرة وحكمة الابتلاء: الخاتمة الكبرى لخير الأنام

تُعتبر الأيام الأخيرة من حياته الشريفة صلى الله عليه وسلم تجسيداً لأعلى معاني الصبر والرضا بقضاء الله. فقد بدأ المرض بصداع شديد في الرأس أعقبه ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة (الحمى)، حتى إنه كان يوضع على رأسه الشريف عصابة لتخفيف حدة الألم. ورغم شدة العارض الصحي الذي ألمّ به، والذي وصفه الصحابة الكرام بقولهم إنهم ما رأوا أحداً أشد بلاءً أو ألمًا، إلا أنه استمر في حرص بالغ على تفقد أحوال رعيته وإمامة المسلمين بنفسه كلما وجد في نفسه خفة، حتى جلس يوماً إماماً للمسلمين وأبو بكر رضي الله عنه مأموماً خلفه في مشهد يفيض بالمعاني الدعوية والتربوية العميقة.

ولم تقتصر أسباب الوفاة الطبية والنبوية على الحمى والصداع فحسب، بل ثبت في الروايات الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر في مرضه ذلك الأثر المتبقي من لقمة الشاة المسمومة التي أُهديت إليه في خيبر قبل سنوات؛ إذ كان يقول مراراً وتكراراً إنه لا يزال يجد ألم تلك الأكلة وأن هذا الأوان هو وقت انقطاع الأبهر منه. وبذلك جمع الله له بين كرامة الاصطفاء الطبيعي للبشر بالأمراض والأسقام، وبين شرف الشهادة بتبعات السم الذي تجرعه نصرةً لدعوة الحق، لتكتمل له منار الأنبياء والمرسلين.

وفي غمرة هذا الألم العظيم، كانت وصاياه الأخيرة تنبض بالحرص الشديد على أمته؛ فكان يوصي بالصلاة وما ملكت أيمانكم، ويؤكد على توحيد الصفوف والاعتصام بحبل الله، إلى أن اشتد عليه الكرب في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وحين احتضنته أطهر البقاع، وتوجه بصره الشريف نحو الملأ الأعلى، كانت كلماته الأخيرة تتردد بالتسبيح والدعاء بالرفيق الأعلى، ليفيض الطائر الخالد إلى بارئه مطمئناً راضياً مرضياً، تاركاً خلفه أمةً تستضيء بنور سيرته العطرة ومنهجه القويم إلى يوم الدين.