يُعدّ الحديث عن الدار الآخرة وما أعدّ الله تعالى فيها لعباده المؤمنين من نعيم مقيم، وفوز عظيم، وبساتين تجري من تحتها الأنهار، من أحب الموضوعات إلى قلوب المؤمنين وأكثرها بعثاً للطمأنينة والأمل في النفوس. وحين يتطرق السائلون، وخصوصاً قطاعاً عريضاً من النساء والباحثات عن الحقائق الشرعية، إلى تفاصيل الحياة اليومية والروحية في الجنة، تبرز تساؤلات متعددة حول طبيعة النعيم ومظاهره، ومن أبرزها تلك المسائل المرتبطة بالأحوال الخاصة للنساء، وما خصّهن الله به من كرامة وإجلال. وإن من فضل الله تعالى وعدله المطلق أن الشريعة الإسلامية الغراء سوت بين الرجل والمرأة في أصل الخطاب التكليفي، وفي أصل الثواب والعقاب، والجزاء الأوفى يوم القيامة، قال عز من قائل في محكم تنزيله: "من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون".
وعند الغوص في تفاصيل الحياة داخل الجنة، ينبغي التأكيد أولاً على قاعدة أساسية قررها أهل العلم والمفسرون، وهي أن الجنة دار أمن وسلام، وخلوّ تام من النكد، أو الحزن، أو التعب، أو الشعور بالنقص. فكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين متوفر لأهلها أجمعين، رجالاً ونساءً، على حد سواء. ولا شك أن نساء الدنيا الصالحات اللاتي صبرن على طاعة الله تعالى، والتزمن بأوامره، واجتنبن نواهيه في الحياة الدنيا، سيحظين بمنزلة عالية رفيعة تجعلهن سيداتٍ في دار النعيم، بل إن النصوص الشرعية وقواعد التفسير تدل على أن المرأة الصالحة من أهل الدنيا إذا دخلت الجنة، فإن مكانتها تكون رفيعة مباركة، نظراً لسبقها الإيماني وجهادها في دار العمل والتكليف. فالجنة ليست حكراً على جنس دون الآخر، بل هي الجزاء الأوفى لكل من آمن وعمل صالحاً.
ومن هنا، فإن تتبع أحوال النساء في الجنة ومآلاتهن يقتضي منا فهم النصوص الواردة في الكتاب والسنة بفهم واعٍ ومستنير، بعيداً عن التصورات المغلوطة أو التأويلات الضيقة. إن الله سبحانه وتعالى أكرم المرأة حيةً وميتة، وجعل لها في الجنة من النعيم المقيم ما تقر به عينها، وتزول به كل مرارة أو مشقة لاقتها في حياتها الأولى. وفي الأجزاء اللاحقة من هذا النقاش، سنفصل بمزيد من البيان الطبيعة الإيمانية والتعبدية لهذه الدار، وكيف تجلى عدل الخجل والحكمة الإلهية في تفصيل النعيم لكل من الرجل والمرأة، ليكون ذلك دافعاً إضافياً للثبات على الحق واليقين.
ختام المطاف: نعيم الخلود واستقرار النفوس في دار القرار
واستكمالاً للحديث عن أحوال المرأة في دار النعيم الأبدي، يتجلى كرم الخالق سبحانه وتعالى في شمول رحمته وعطائه لكل من المؤمنين والمؤمنات دون استثناء. فالجنة ليست حكراً على الرجال، بل هي دار أعدها الله للمتقين والصالحين من الجنسين، مصداقاً لقوله تعالى: "ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا".
استقرار الأحوال الزوجية والجزاء الأوفى
وفيما يخص الحالة الاجتماعية لنساء الدنيا عند دخولهن الجنة، فقد بيّن أهل العلم استناداً إلى النصوص الشرعية أن المرأة الصالحة لا تخرج عن حالات عدة:
المتزوجة في الدنيا: تكون في الجنة لآخر أزواجها إن تعددت زيجاتها بعد وفاته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المرأة لآخر أزواجها".
غير المتزوجة أو التي لم يتزوج زوجها ودخل الجنة: يزوجها الله تعالى من رجالات أهل الجنة ممن لم يتزوجوا، ليعم السرور وتستقر النفوس.
ولا يُخشى على المرأة في الجنة شعور بنقص أو حسرة؛ فالله سبحانه ينزع الغل من الصدور، ويملأ القلوب رضاً وسعادة لا تهتز، حيث تبلغ نساء الدنيا من الجمال مرتبة تفوق الحور العين بأضعاف كثيرة نظراً لعبادتهن وصبرهن في الدنيا. وهناك تتلاشى كل التعبيرات الدنيوية عن التعب أو الشقاء، لتنعم النفس بكل ما تشتهيه وتلذه الأعين في خلود دائم لا ينقطع ولا يزول، محققة الغاية الكبرى والنعيم الأعظم في رضا الله سبحانه وتعالى والاطلاع على وجهه الكريم.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.