مقدمة وتحليل تاريخي لرحيل النبي الأعظم في الموروث الشيعي
تُعدّ قضية وفاة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المحطات المفصلية الكبرى في تاريخ الإسلام، والتي حظيت بعناية بالغة وتحليل عميق في الموروث الروائي والتاريخي عند الإمامية (الشيعة). فعلى عكس الرؤية التاريخية العامة التي تقتصر على سرد الأعراض الجسدية لمرض الموت الطبيعي، تذهب المصادر والشخصيات العلمية عند الشيعة إلى أبعاد عقدية وتاريخية أعمق ترتبط بطبيعة الرحيل، والظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بالأسابيع الأخيرة من عمر النبي الأكرم.
1. الاعتقاد بالشهادة والسم: الرؤية العقدية والمصادر الروائية
يترسخ لدى جمهور علماء الشيعة وأساطينهم - مثل الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والمجلسي، والعلامة الحلي وغيرهم - الاعتقاد الجازم بأن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يتوفَ حتف أنفه بصورة طبيعية بحتة، بل قضى شهيداً مسموماً.
استناداً إلى منظومة الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام، يبرز النص الشهير المروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في تفسير العياشي وغيره، والذي يشير إلى الآية الكريمة: {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}، ليؤكد وقوع السم قبل الوفاة. وتتطابق هذه الروايات مع ما ورد في بعض كتب الحديث المعتبرة أن أثر السم الذي تجرعه النبي في غزوة خيبر على يد المرأة اليهودية ظلت تظهر تداعياته وفعليته على جسده الشريف حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى، مضافاً إلى روايات أخرى تتعلق بتدبيرات داخلية وأحداث جرت في أواخر أيامه المباركة. ويرى المحققون المعاصرون من أمثال السيد جعفر مرتضى العاملي في كتابه السيرة العلافية أن تضافر القرائن التاريخية يثبت أن استشهاده صلى الله عليه وآله تم بفعل فاعل، ما يضفي على هذه الوفاة طابعاً مأساوياً فريداً يتسق مع عقيدة الإمامية بأن "ما منا إلا مقتول شهيد"، شاملًا ذلك سيد الأنبياء بوصفه رأس أهل البيت وأعظمهم منزلة.
2. التوقيت الزمني الدقيق للرحيل
تتفق كلمة المصادر التاريخية عند الشيعة على أن يوم الوفاة كان يوم الإثنين، غير أن التحديد الشهري والدقيق، وخلافاً لبعض المقولات في التراث العام، استقر عليه إجماع متأخري علماء الشيعة ومحققيهم ليكون في الثامن والعشرين من شهر صفر سنة عشر للهجرة. ويُحيي الشيعة حول العالم هذه الذكرى الأليمة سنوياً بسلسلة من المراسم والفعاليات العزائية الكبرى، استذكاراً للمصيبة العظمى التي فجع بها أهل البيت والأمة الإسلامية جمعاء.
تجهيز الجثمان الشريف ومراسيم الدفن
تذكر المصادر التاريخية والحديثية المعتبرة عند الإمامية أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد تولي أمر غسل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وتكفينه بمساعدة الفضل بن العباس وأسامة بن زيد، بينما كانت الملائكة أعواناً له في هذه المهمة الجليلة. وقد فاضت روح النبي الزكية وهو في حجر علي بن أبي طالب، لتنتهي بذلك مرحلة النبوة الرسالية وتبدأ مرحلة الإمامة وحفظ مسيرة الإسلام.
وفي الوقت الذي انشغل فيه الإمام علي وأهل بيت النبوة بتجهيز الجثمان الطاهر ووارائه الثرى في حجرة النبي الخاصة، شهدت الساحة السياسية في المدينة المنورة حراكاً مكثفاً تمثل في اجتماع سقيفة بني ساعدة. ويعتبر الشيعة أن هذا الاجتماع وما تمخض عنه من تطورات سياسية قد أبعد الخلافة عن مسارها الإلهي المرسوم في غدير خم، حيث نصّ النبي صراحةً على إمامة وخلافة علي بن أبي طالب من بعده. ونتيجة لهذا الانشغال المفصلي، اقتصر حضور تشييع النبي والصلاة عليه على الهاشميين وخواص الصحابة، ودخل المسلمون أفواجاً يصلون فرادى دون إمام.
إحياء الذكرى والدلالات العقدية
يُحيي الشيعة ذكرى استشهاد النبي محمد (صلى الله عليه وآله) في الثامن والعشرين من شهر صفر الخير من كل عام، مستحضرين عظم المصيبة بفقد خاتم الأنبياء وما تعرض له أهل بيته من مظلومية بعدها. وتُعد هذه المناسبة محطة سنوية لاستخلاص العبر من سيرته العطرة، وتأكيداً على التمسك بنهج الثقلين (القرآن العترة الطاهرة) الذي وصى به النبي الأكرم أُمّته قبيل وفاته، لتبقى ذكرى رحيله حيةً في وجدان الأجيال المؤمنة تعزز في نفوسهم قيم الولاية والتضحية والثبات على الحق.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.