مقدمة في عصمة الأنبياء وموقع السحر من حياتهم

تثير قضية تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للسحر تساؤلات كثيرة بين الحين والآخر، لاسيما حين يُربط هذا العارض بوفاته عليه الصلاة والسلام. ويُعد هذا الموضوع من المسائل العقدية الدقيقة التي تعامل معها أهل السنة والجماعة بمنهجية مستندة إلى النصوص الصحيحة القاطعة من كتاب الله وسنة رسوله، موازنين بين أمرين عظيمين: عصمة النبوة المطلقة في تبليغ الوحي، والبشرية التي يجري على الأنبياء فيها ما يجري على سائر البشر من أعراض وأسقام وابتلاءات.

ثبوت واقعة السحر في السنة النبوية الصحيحة

لقد ثبتت قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم في أصح كتب السنة النبوية وأشرفها، كالصهيحين (البخاري ومسلم)، وهو أمر لا مجال لردّه أو التشكيك فيه بمجرد التشهي أو الاستبعاد العقلي القاصر.

  • الرواية الثابتة: روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحر حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله.

  • السبب والفاعل: قام بسحره شخص يُدعى لبيد بن الأعصم، وهو رجل من يهود بني زريق.

  • الأثر المترتب: اقتصر تأثير السحر على نطاق محدود وبشري بحت، تمثل في ظنه أنه يأتي أهله (نساءه) ولم يأتهم، أو بعض التعب الجسدي العارض الذي يشبه سائر الأمراض والأوجاع التي تصيب البشر.

حقيقة هامة: اتفق العلماء على أن السحر لم يمس قط الجانب التشريعي أو عصمة الوحي؛ فلم يُصب في تبليغ آية، ولم يتخلل القرآن نقص أو زيادة، ولم يؤثر على عقله الشريف أو إدراكه العام، بل ظل مصوناً ومحفوظاً من كل خلل يتصل بأصل الرسالة.

هل امتد السحر حتى أدى إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟

من الشائع أحياناً الترويج لفكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي متأثراً بتلك التجربة، وهو زعم باطل ومخالف للروايات التاريخية والشرعية الثابتة.

  1. المدة الزمنية المحددة: تؤكد النصوص الصحيحة أن مدة السحر كانت قصيرة ومحدودة للغاية؛ فقد انتهت تماماً إما خلال أربعين يوماً أو بحد أقصى ستة أشهر. وقد تم استخراج مادة السحر وإبطالها، وعافاه الله تعالى شفاءً تاماً قبل وفاته بأعوام طويلة.

  2. السبب الحقيقي للوفاة: الثابت في الأحاديث الصحيحة وبالإجماع التاريخي أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي نتيجة أثر السم الذي وضعته له المرأة اليهودية في خيبر في شاة مصلية قبل وفاته بثلاث سنوات، حيث ظل يجد أثره حتى قال في مرض موته: "يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهرِي" (عِرْق القلب).

  3. حكمة الابتلاء: إن إصابة الأنبياء بمثل هذه العوارض الدنيوية تكمن فيها حكم بالغة، منها: تسلية الأمة، وبيان أنهم بشر تجري عليهم أقدار الابتلاء والمرض لترتفع درجاتهم، ولكي تُشرع للأمة كيفية التعوذ والاستشفاء بالمعوذات والرقى الشرعية.

الرد على الشبهات والقول الفصل في سبب الوفاة

الأثر المؤقت للسحر وكيفية الشفاء منه

ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سحره لبيد بن الأعصم اليهودي، وكان تأثير ذلك محصوراً في أمور دنيوية وتخيلية بحتة دون أن يمتد إلى تبليغ الوحي أو العصمة النبوية. وقد تداركت العناية الإلهية النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أتاه الملكان فأخبراه بموضع السحر في بِئْرِ ذي أروان، فاستخرجه وأبطل, فشفاه الله تماماً.

  • زوال الأثر تماماً: لقد انتهى أثر السحر قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بسنوات، ولم يكن هو سبب المرض الذي أودى بحياته، بل عاش بعد حادثة السحر سليماً معافى يواصل أداء رسالته.

حقيقة الوفاة النبوية: الأجل المحتوم والشهادة

توفع النبي صلى الله عليه وسلم نتيجة المرض العادي الذي قدره الله تعالى عليه في حجة الوداع وما بعدها، واشتد به في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حتى قبضه الله بين سحرها ونحرها. وإلى جانب ذلك، كان صلى الله عليه وسلم يذكر في مرض موته أثر أكلة الشاة المسمومة التي أهدتها له اليهودية بخيبر، قائلًا إن ذلك السم كان يعاوده ألمه، حتى إن بعض العلماء ذهبوا إلى أن الله أكرمه بالشهادة إلى جانب النبوة متأثراً بتلك الأكلة.

خلاصة القول: لم يمت النبي صلى الله عليه وسلم بالسحر، بل توفي أجلاً محتوماً كتبه الله على رسله، منضمًا إليه أثر السم القديم ليتوج الله حياته الشريفة بمرتبة الشهادة العظيمة.