مقدمة: عظمة النهاية وبشريّة البداية

إن الحدث الأعظم والأكثر أثراً في تاريخ الأمة الإسلامية هو انتقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى في العام الحادي عشر من الهجرة. وعلى الرغم من المكانة الروحية العظيمة التي تتمتع بها شخصيته، إلا أن القرآن الكريم حسم حقيقة بشرية الأنبياء بقوله تعالى: "إنك ميت وإنهم ميتون". وحول سؤال "لماذا توفي الرسول؟ وكيف؟"، تتطرق كتب السيرة والتاريخ الإسلامي إلى تفاصيل دقيقة تجمع بين الأسباب العضوية الدنيوية، والحكمة الإلهية في اصطفاء الأنبياء لمرتبة الشهادة والكمال.

أولاً: الطبيعة البشريّة وسنن الكون الجارية

لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم حياة مليئة بالجهد الجهيد، والكفاح المتواصل، والدعوة الشاقة التي استمرت ثلاثة وعشرين عاماً. وتحمل في سبيل تبليغ رسالته ألواناً من الأذى والمشاق في مكة والمدينة، فضلاً عن الغزوات والمعارك التي قادها بنفسه.

من الناحية الطبية والعضوية البحتة، خاض النبي صلى الله عليه وسلم سنن الحياة والموت التي كتبها الله على سائر البشر. وكما يقول الإمام ابن كثير وغيره من المؤرخين، فإن الأنبياء عليهم السلام يصيبهم ما يصيب البشر من الأمراض والأوجاع، بل ويبلغ بهم البلاء أشدّه ليزدادوا رفعة في الدرجات، ولكي تكون سيرتهم أُسوة حية للبشرية جمعاء في الصبر والاحتساب عند البلاء وعند سكرات الموت.

ثانياً: أثر سم خيبر والجمع بين الشهادة والفراش

من أبرز الأسباب المادية والظاهرية المباشرة التي ذُكرت في الصحاح والمسانيد لمرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته، هو الأثر المتراكم للسم الذي وضعته له المرأة اليهودية (زينب بنت الحارث) في شاة مسمومة غزوة خيبر في العام السابع الهجري.

وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة، ومنها ما ورد في صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه مخاطباً أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

"يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم".

المعنى الطبي والدلالة العقدية لحديث "انقطاع الأبهر"

  • الأبهر: هو عرق كبير متصل بالقلب (الأورطى أو الشريان الأبهر)، وإذا انقطع أو أصابه تلف بليغ يؤدي ذلك إلى توقف وظائف الحياة.

  • الشهادة النبوية: يذهب جمهور العلماء والمحققين إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أكرمه الله بموتة الشهادة إلى جانب رسالته، فجمع الله له بين الأجر العظيم للأنبياء ومرتبة الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الله.

  • تأخر تأثير السم: يتساءل البعض عن كيفية بقاء تأثير السم لثلاث سنوات كاملة حتى ظهور أعراضه القاتلة قبيل الوفاة؛ والجواب العلمي والشرعي يكمن في أن الحفظ الإلهي كان يقي بدن النبي صلى الله عليه وسلم طوال تلك المدة لإتمام تبليغ الرسالة وأداء الأمانة، حتى إذا انقضت رسالته وأكمل الله الدين، أذن الله بانقضاء الأجل وبلوغ أثر السم مداه المكتوب.

اللحظات الأخيرة والأثر الخالد

تلك الأيام التي سبقت انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى كانت حافلة بالعِبر والدروس. فقد بدأ المرض يشتد عليه في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكانت الحمى الشديدة تأخذ منه مأخذها، حتى إنه كان يروي عن نفسه شدة الألم والصداع. ومع ذلك، لم يقطعه ذلك عن تفقد شؤون المسلمين، فكان يخرج محمولاً بين رجلين للصلاة بهم، أو يوصيهم خيراً بمن حولهم، في أروع تجسيد للرحمة والمسؤولية القيادية حتى آخر أنفاسه الشريفة.

حكمة الابتلاء وتكريم الشهادة

مما يطرحه الباحثون في سياق الحديث عن وفاته صلى الله عليه وسلم، هو أثر السم الذي أُهدي إليه في خيبر قبل سنوات. فقد ذكر النبي في مرضه של وفاته أنه ما زال يجد أثر تلك الأكلة، وكأن الله سبحانه وتعالى أراد له أن يجمع بين كرامة النبوة وأجر الشهادة في سبيل الله. إن تعرض الأنبياء للبلاء والشدائد ليس نقصاً في درجاتهم، بل هو رفعة لمقاماتهم واختبار لمدى صبرهم، ليصبحوا القدوة المثلى لأممهم في الرضا بقضاء الله القدر المحتوم.

اللقاء الأخير والرفيق الأعلى

في اللحظات الختامية، استدارت عائشة رضي الله عنها لترصد كلماته الأخيرة، إذ تحركت شفتاه الشريفتان وهو يختار الوجهة الباقية، قائلاً بصوت خافت: "مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. اللهم اغفر لي وارحقني وألحقني بالرفيق الأعلى". ثم فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها، وسكت الوحي الذي كان ينزل من السماء، لتبدأ الأمة مرحلة جديدة من اختبار الصبر والثبات.

لقد رحل النبي محمد صلى الله عليه وسلم كبشر تجري عليهم سنن الحياة والموت، مصداقاً لقوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون}، ولكنه ترك خلفه منهجاً صافياً ودليلاً ناصعاً أضاء الدنيا بأسرها. وفاته لم تكن نهاية للرسالة، بل كانت إيذاناً بانطلاق أصحابه لتبليغ النور لكل بقاع الأرض، خالدين ذكراه في القلوب على مر العصور.