المحتويات
الإجابة المباشرة والصادمة للكثيرين هي أن السيد كمال الحيدري لا يرى في لعبة "الدومنة" أو "الدومينو" حرمة ذاتية ما لم تقترن بالقمار أو الرهان المالي، حيث ينطلق في رؤيته من مبدأ أصالة الحل في الأشياء التي لم يرد فيها نص صريح بالتحريم المطلق. يبتعد الحيدري عن النظرة التقليدية الجامدة التي تحظر كل ما كان يُستخدم قديماً في مجالس اللهو، مفضلاً إخضاع اللعبة لعنوان "الآلة" والغرض منها، فإذا تجردت من القمار تحولت إلى وسيلة تسلية مباحة كغيرها من الألعاب الذهنية المعاصرة.
الجذور والأسس: فلسفة التحريم بين النص والواقع المتغير
لطالما كانت الألعاب التي تعتمد على النرد أو القطع المرقمة محل جدل فقهي عميق، لكن كمال الحيدري ينسج خيوط اجتهاده من مرجعية تعتمد على تفكيك العناوين. يرى الحيدري أن الحكم الشرعي يدور مدار العلة، فإذا كان التحريم التاريخي لبعض الألعاب نابعاً من كونها "آلات قمار" حصرية في زمن النص، فإن خروجها عن هذا التوصيف في العصر الراهن يغير حكمها بالتبعية. إننا أمام عقل فقهي يرفض "الجمود السلفي" على المصاديق القديمة، بل يغوص في جوهر الغرض من اللعب. هل هي لتمضية الوقت وتنشيط الذهن؟ أم هي مدخل للكسب غير المشروع والنزاعات؟
يؤكد الحيدري في دروسه أن الفقيه ليس مجرد "ناقل للنصوص"، بل هو "مهندس للواقع". لذا، فإن اعتبار "الدومنة" حراماً لمجرد تشابهها الصوري مع أدوات قمار غابرة هو قصور في الفهم المقاصدي للشريعة. يشدد على أن الأصل في الأشياء الإباحة، والتحريم هو الذي يحتاج إلى دليل قطعي الصدور والدلالة. ومن هنا، يكسر الحيدري طوق التقليد ليفتح باباً واسعاً أمام المكلفين للتعاطي مع الترفيه من منظور أخلاقي وقيمي، وليس من منظور المنع الكلي الذي يولد الانفصام بين المتدين وحياته اليومية. هذا التوجه "التجديدي" يصدم العقل الجمعي الذي اعتاد على سماع "لا" لكل ما يمت بصلة للمقاهي، لكنه يرسخ لمفهوم الفقه الإنساني الذي يحترم العقل والترفيه المنضبط.
التشريح الفقهي: لماذا يبتعد الحيدري عن مسلك المشهور؟
بينما يذهب مشهور الفقهاء إلى تحريم الألعاب التي كانت تُعد "آلات قمار" حتى لو لُعب بها بلا رهان، نجد كمال الحيدري يتبنى مسلكاً مغايراً تماماً يعتمد على تغير الموضوع. إن "الدومنة" في العرف الاجتماعي المعاصر لم تعد تُصنف كأداة قمار أساسية، بل هي وسيلة للتسلية في التجمعات العائلية والمقاهي الشعبية. يرفض الحيدري "الاستصحاب" في أحكام الموضوعات المتبدلة، معتبراً أن الحكم بوجوب الحرمة في مثل هذه الحالات يؤدي إلى تضييق واسع على الناس بلا مسوغ شرعي متين.
التحليل الدقيق لمنهجه يظهر أنه يفرق بين "الحرمة الذاتية" و"الحرمة العرضية". الدومنة عنده ليست محرمة لذاتها كشرب الخمر مثلاً، بل قد تحرم إذا تحولت إلى وسيلة لضياع الواجبات أو اقترنت بالسب والقذف أو الرهان. هذا التفكيك يمنح المؤمن مرونة عالية، حيث يصبح المعيار هو السلوك الفردي والبيئة المحيطة، لا القطع الخشبية ذاتها. إن الحيدري هنا يمارس دور "المشخص" لا "المصدر للأحكام المعلبة"، داعياً المكلفين إلى تحمل مسؤولية تشخيص موضوعاتهم بأنفسهم. هذا المنهج يقلل من الفجوة بين النص الديني وتطورات الحياة السريعة، حيث تتحول الفتوى من قيد إلى موجه أخلاقي عام يحذر من القمار ويبيح الترويح عن النفس.
الآثار العملية: كيف ينعكس هذا الرأي على حياة المكلف؟
إن تبني رأي الحيدري في إباحة الدومنة بلا رهان يرفع عن كاهل الشباب والكهل "عقدة الذنب" التي رافقت هذه اللعبة لعقود. لم يعد الجلوس على طاولة الدومنة مرادفاً للخروج عن جادة الدين أو السقوط في فخ المعصية، بل صار فعلاً اجتماعياً يخضع لضوابط "إدارة الوقت". هذا التحول الفقهي يعيد رسم العلاقة بين المتدين والفضاء العام، حيث لا يشعر المؤمن بالنشاز عندما يمارس هواية ذهنية شائعة. الاستقامة في ميزان الحيدري هي حفظ الصلاة والواجبات، وليست في هجر قطع الدومنة التي لا تضر ولا تنفع في ذاتها.
على الصعيد العملي، يفتح هذا الرأي الباب لتنظيم مسابقات "الدومنة" بشكل قانوني ورياضي بعيداً عن شبهات القمار، مما يسهم في احتواء الطاقات الشبابية في أطر منضبطة. الحيدري يراهن على "وعي المكلف"، مفترضاً أن الإنسان يمتلك من الرشد ما يجعله يميز بين التسلية المباحة والسقوط في هاوية الإدمان على المراهنات. إنها دعوة للتحرر من "فقه المنع" إلى "فقه المسؤولية"، حيث يكون الضمير هو الرقيب الأول على طاولة اللعب. ومن هنا، تبرز قيمة الاجتهاد المعاصر في تقديم حلول واقعية لا تصادم الفطرة البشرية الطامحة للراحة والاستجمام، مع الحفاظ على الجوهر الروحي للشريعة الذي ينبذ كل أشكال الاستغلال المالي المرتبط بالقمار.
المزالق الشائعة ونصائح الخبراء عند تتبع فتاوى الحيدري
عند البحث في رأي السيد كمال الحيدري حول لعبة الدومنة، يقع الكثيرون في فخ التعميم أو الخلط بين المنهج الفقهي التقليدي ومنهجه التجديدي. أحد أبرز الأخطاء هو اعتقاد أن الحيدري يبيح اللعب في كل الظروف؛ والحقيقة أنه يربط الإباحة بانتفاء القمار وعدم ترتب مفسدة أخلاقية أو اجتماعية. لذا، يجب على الباحث والمقلد التمييز بين "ذات اللعبة" كأداة وبين "ظروف اللعب".
من النصائح الجوهرية التي يقدمها المتخصصون في فكر الحيدري هي ضرورة مراجعة مفهوم "آلة القمار" لديه، فهو يميل إلى أن الحكم يدور مدار الصدق العرفي الحالي وليس التاريخي. فإذا خرجت الدومنة في العرف المعاصر عن كونها أداة مخصصة للمراهنات وأصبحت وسيلة للتسلية الذهنية، تغير الحكم تبعا لذلك. ينصح الخبراء أيضاً بالابتعاد عن الأجواء التي تشجع على هدر الوقت بشكل مفرط، لأن "الحرمة بالعرض" قد تتحقق حتى لو كانت اللعبة حلالاً في أصلها، وذلك إذا أدت إلى ترك الواجبات أو التهاون في المسؤوليات الأسرية والاجتماعية.
الأسئلة الشائعة حول حكم الدومنة عند كمال الحيدري
1. هل يشترط الحيدري عدم وجود مراهنة مالية فقط ليفتي بالحلية؟
نعم، الشرط الأساسي هو خلو اللعبة من الرهان المالي (القمار). ولكن يضيف الحيدري بعداً آخر وهو "القصد"، فإذا كان اللعب يهدف إلى تنمية المهارات الذهنية وقضاء وقت فراغ بطريقة مباحة دون أن تتحول إلى إدمان يلهي عن ذكر الله أو الواجبات الأساسية، فهي جائزة عنده.
2. لماذا يختلف رأي الحيدري عن المشهور من الفقهاء في هذه المسألة؟
الاختلاف ينبع من المبنى الأصولي؛ فالمشهور قد يحرم اللعبة لكونها وردت كآلة قمار في النصوص التاريخية، بينما يرى الحيدري أن الأحكام تتبع العناوين، فإذا لم تعد اللعبة في العرف الحاضر آلة قمار، فلا وجه لتحريمها بناءً على تاريخها القديم.
3. هل يجوز اللعب بالدومنة في المقاهي العامة حسب رأيه؟
الجواز مرتبط بالبيئة؛ فإذا كان التواجد في المقهى يترتب عليه محرمات أخرى مثل سماع الغناء الفاحش أو بيئة لا تليق بالمؤمن، فإن الحرمة تأتي من "المكان والجو العام" لا من ذات لعبة الدومنة. القاعدة لديه هي نظافة البيئة الاجتماعية التي ممارس فيها النشاط.
رأي المحرر الختامي
في الختام، يمثل رأي السيد كمال الحيدري في مسألة الدومنة دعوة لإعمال العقل ومواكبة التغيرات العرفية. الخلاصة الفقهية التي يمكن استنتاجها هي أن الدومنة في جوهرها "فعل مباح" ما لم يقترن بالقمار أو التبذير في الوقت. إن الاعتماد على الوعي الذاتي والرقابة الداخلية هو المحور الذي يدور حوله فكر الحيدري، مما يجعل المسؤولية تقع على عاتق المكلف في تقدير مصلحته وسلوكه دون الانحباس في قوالب تحريمية قد لا تنطبق على الواقع المعاصر.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.