المحتويات
نعم، وبملء الفم، يؤمن الشيعة الإمامية بوجود الله إيماناً مطلقاً لا تشوبه شائبة، بل إن التوحيد يمثل الركن الركين والأساس الأول في منظومتهم العقائدية برمتها. من يظن غير ذلك فقد وقع في فخ التنميط الجاهل أو القراءات السطحية التي تجتزئ النصوص من سياقاتها التاريخية والفلسفية. إن الذات الإلهية عند الشيعة هي مبدأ الوجود ومنتهاه، وهي منزهة عن الشريك والند والتركيب، فلا يصح إسلام المرء لديهم إلا بإقرار قلبي ولساني بأن الله فرد صمد لم يلد ولم يولد.
الجذور والأسس: فلسفة التوحيد في مدرسة آل البيت
لا يستقيم فهم العقيدة الشيعية دون الغوص في أعماق "نهج البلاغة"، ذاك السفر الخالد الذي رسم فيه الإمام علي بن أبي طالب ملامح التنزيه الإلهي بأبلغ لغة وأدق فلسفة. التوحيد هنا ليس مجرد اعتراف بوجود صانع، بل هو إدراك لاستحالة الإحاطة بكنه الذات. إن الشيعة ينطلقون من قاعدة أن أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده. هذه التراتبية المعرفية تجعل من وجود الله حقيقة بديهية تسبق كل استدلال، لكنها تتطلب تجريداً يمنع تشبيه الخالق بالمخلوق. هم يرفضون بشدة فكرة "التجسيم" أو "التشبيه"، فلا يرون لله جارحة ولا مكاناً ولا زماناً، لأن التحييز استلزام للنقص، والله هو الكمال المطلق.
في أروقة الحوزات العلمية، تُدرس "قاعدة الواحد" و"بساطة الحقيقة"، حيث يُنظر إلى الله باعتباره وجوداً محضاً لا تركيب فيه. هذا التنقيب العقلي المجهد يهدف إلى حماية مفهوم "الألوهية" من أي شوائب مادية قد تعلق به نتيجة الفهم الحرفي لبعض الآيات المتشابهة. لذا، نجد المتكلمين الشيعة قد أفنوا أعمارهم في صياغة براهين مثل "برهان الصديقين" لإثبات أن الوجود واجب بذاته، وأن كل ما سواه ممكن الوجود، مفتقر إليه في كل آن ولحظة. إن المسألة بالنسبة لهم ليست محل نقاش إيماني، بل هي البديهية التي تشرق منها شمس سائر المعتقدات من نبوة وإمامة ومعاد.
التحليل الجوهري: بين النص المتواتر والعقل الصريح
يتهم البعض الشيعة بالمغالاة في تقديس الأئمة بما قد يخدش توحيدهم، لكن التحليل العلمي الدقيق يكشف أن مقام الإمامة عندهم هو "خلافة" و"نيابة" وليس "ألوهية". الله في المنظور الشيعي هو "المؤثر الحقيقي" الوحيد في الوجود، وما الأنبياء والأئمة إلا وسائط لفيض رحمته وهدايته. إنهم يفرقون بصرامة بين "الذات" و"الفعل"، فالتشريع والرزق والخلق أفعال إلهية بامتياز، حتى لو جرت على يد عبد صالح بإذن ربه. العقل الشيعي لا يقبل شريكاً في السلطان الإلهي، ويرى أن الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، مما دفع فقهاءهم لتشديد النكير على أي نزعة تأليهية للبشر، وهو ما يُعرف بظاهرة "الغلاة" الذين تبرأ منهم الأئمة أنفسهم جهاراً نهاراً.
إذا قرأت دعاء "الصباح" أو "كميل"، ستجد لغة تناجى بها الذات الإلهية بضراعة تذوب معها كل العناوين الأخرى. "يا من دل على ذاته بذاته"، هذه العبارة تلخص الرؤية الشيعية؛ فالله لا يحتاج لغيره ليُعرف، بل هو النور الذي يُعرف به كل شيء. هذا الوعي الوجودي يجعل من الإيمان بالله تجربة وجودية عميقة تتجاوز الترديد اللساني إلى الشهود القلبي. إن التحليل العقدي لمؤلفات الصدوق والطوسي والمفيد يؤكد أن التوحيد الشيعي هو توحيد "ذاتي" و"صفاتي" و"أفعالي"، حيث تُرد الصفات إلى الذات لتجنب القول بتعدد القدماء، وهي دقة فلسفية ندر تجدها في مدارس فكرية أخرى.
الآثار العملية: كيف ينعكس الإيمان بالله في السلوك الشيعي؟
الإيمان بوجود الله ليس تنظيراً بارداً في زوايا الكتب، بل هو محرك يومي يظهر في "العبودية" المحضة. الصلاة، الصيام، والحج عند الشيعة تُؤدى لله وحده بـ"نية القربة"، وأي قصد لغير الله يبطل العمل ويجعله هباءً منثوراً. في الثقافة الشيعية، يبرز مفهوم "التوكل" كترجمة حية للإيمان بالقدرة الإلهية المطلقة، حيث يُربى الفرد على أن القوى الأرضية مهما عظمت فهي زائلة أمام جبروت الخالق. هذا اليقين هو ما يمنحهم الصلابة في مواجهة المحن، إيماناً منهم بأن الله هو "غياث المستغيثين".
علاوة على ذلك، يظهر هذا الإيمان في منظومة "الحقوق"؛ فحق الله هو الأعلى، ومنه تتفرع حقوق العباد. الصدقات الواجبة مثل "الخمس" و"الزكاة" تُدفع بوصفها تطهيراً للمال وتقرباً لصاحب الرزق الحقيقي. إن الشعائر الحسينية التي يراها البعض طقوساً غريبة، يراها الشيعي صرخة في وجه الظلم من أجل إعلاء كلمة الله التي ضحى الأنبياء من أجلها. الإيمان بالله هنا هو البوصلة التي توجه الأخلاق، والدافع وراء التضحية، والرجاء الكامن في جوف الليل. لا يمكن فصل السلوك الاجتماعي للشيعي عن يقينه بأن هناك عيناً إلهية ترقبه، وأن المرجع والمال مآلهما إلى وقوف بين يدي جبار السماوات والأرض للحساب والجزاء.
الأخطاء الشائعة ونصائح الخبراء عند دراسة المعتقد الشيعي
من أكبر الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الباحثون أو القراء العاديون هو الخلط بين "المسائل الفقهية" و"الأصول العقائدية". يظن البعض أن الاختلاف في طريقة الصلاة أو الوضوء يعكس اختلافاً في أصل الإيمان بوجود الله، وهذا تصور غير دقيق علمياً؛ فالاختلافات المذهبية هي اختلافات في الفروع وليست في الخالق. كما يجب الحذر من الاعتماد على المصادر غير الموثوقة أو الاقتباسات المجتزأة التي تهدف إلى إخراج المذهب من دائرة التوحيد لأغراض سجالية.
ينصح الخبراء بضرورة العودة إلى المصادر الأصلية للشيعة الإمامية، مثل كتاب "توحيد الصدوق" أو "نهج البلاغة"، لفهم عمق التنزيه الإلهي لديهم. إن النصيحة الجوهرية هنا هي التمييز بين "الغلو" الذي ترفضه المرجعية الشيعية الرسمية، وبين "المعتقد الشعبي" الذي قد يشوبه بعض التعبير العاطفي. البحث الموضوعي يتطلب قراءة التوحيد عند الشيعة من منظار العدل والتنزيه، حيث يؤمنون بوجوب معرفة الله بالعقل والوقت ذاته ينزهونه عن التشبيه والتجسيد، مما يجعل إيمانهم قائماً على تنزيه الذات الإلهية عن كل صفات المخلوقين.
الأسئلة الشائعة حول توحيد الشيعة
1. هل يعتقد الشيعة بوجود إله غير الله أو يشركون به؟
مطلقاً، الشيعة يؤمنون بالتوحيد الخالص (لا إله إلا الله). كل ما يشاع حول إشراك الأئمة مع الله هو سوء فهم لمبدأ "التوسل"؛ فالشيعة يرون الأئمة عباداً مكرمين ووسائل للتقرب إلى الله، لكنهم لا يملكون من الأمر شيئاً إلا بإذن الله، وخالق الكون ومدبره عندهم هو الله وحده لا شريك له.
2. ما معنى التوحيد عند الشيعة وما فرقه عن بقية المذاهب؟
يتفق الشيعة مع سائر المسلمين في أصل التوحيد، لكنهم يشددون على التوحيد الصفاتي؛ أي أن صفات الله (كالعلم والقدرة) هي عين ذاته وليست زائدة عليها. كما يرفضون بشدة فكرة "رؤية الله" بالعين البصرية في الدنيا أو الآخرة، معتبرين ذلك نوعاً من التجسيد المحال على الخالق.
3. هل يقول الشيعة بتحريف القرآن بما يمس وحدانية الله؟
الإجابة القاطعة هي لا. المصحف الموجود بين أيدي الشيعة هو نفسه الموجود عند سائر المسلمين، وهو المصدر الأول لإثبات وحدانية الله لديهم. فتاوى كبار مراجع الشيعة عبر العصور تؤكد أن القرآن مصون من الزيادة والنقصان، وهو المرجع الأساسي في إثبات صفات الكمال لله.
رأي المحرر النهائي
في الختام، يمكن القول بكل ثقة وبناءً على التحليل الموضوعي للمتون العقائدية، إن الشيعة يؤمنون بوجود الله إيماناً مطلقاً لا يتطرق إليه الشك، بل يعتبرون "التوحيد" هو الركن الأول والأساسي من أصول الدين لديهم. إن أي محاولة للتشكيك في هذا الجانب لا تستند إلى حقائق دينية أو تاريخية، بل تندرج غالباً ضمن الصراعات الطائفية. الإيمان بالله عند الشيعة هو إيمان تنزيهي وعقلي، يضع الخالق فوق كل تصور بشري، ويجعل من عبادته الغاية القصوى للوجود الإنساني.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.