المحتويات
الإجابة المباشرة والصادمة التي يتهرب منها الكثيرون هي أن الحق ليس حكراً جينياً أو طائفياً ينتقل بالوراثة، بل هو مساحة شاسعة من الاجتهاد البشري في فهم النص الإلهي. لا يمكن اختزال "الحق" في صندوق خشبي مغلق تملكه جهة دون أخرى، لأن كلا المدرستين، السنية والشيعية، تستمدان شرعيتهما من منبع واحد وهو القرآن والسنة، لكنهما افترقتا عند منعطفات سياسية تحولت بمرور الزمن إلى جدران عقدية صلبة. الحق يكمن في التقوى والعدل، لا في التسميات.
الجذور الغائرة والأسس التي شيدت صرح الخلاف
لكي نفهم هذا التشظي، علينا أن نخلع نظاراتنا الطائفية الملونة وننظر إلى التاريخ بعين المحقق الباردة. المسألة بدأت سياسية بامتياز؛ من يخلف النبي محمد؟ هل هي الشورى التي رآها الصحابة في سقيفة بني ساعدة، أم هو النص والتعيين الذي تمسك به أنصار علي بن أبي طالب؟ هذا السؤال لم يكن مجرد نقاش إداري، بل كان الزلزال الذي صدّع البنيان. السنة اعتبروا التجربة التاريخية للخلفاء الراشدين تجسيداً لإرادة الأمة، بينما رأى الشيعة أن الإمامة امتداد للنبوة في ثوبها الروحاني والقيادي. ومع توالي العقود، بدأت هذه الرؤى "تتأصل". انتقلنا من "من يحكم؟" إلى "كيف نعبد؟" وكيف نستنبط الأحكام. الفقيه السني اعتمد على الإجماع والقياس، بينما الفقيه الشيعي فتح باب الاجتهاد عبر آلية "الإمام المعصوم" أو نوابه. هذه "البربليكسية" أو الحيرة التاريخية ليست عيباً في الدين نفسه، بل هي دليل على حيوية العقل المسلم الذي رفض الجمود، حتى وإن أدى ذلك إلى صدام مرير. نحن أمام منظومتين متكاملتين، لكل منهما منطقها الداخلي المتماسك الذي يجعل من الصعب على "الآخر" اختراقه بسهولة دون فهم الأدوات المعرفية التي بني عليها.
تشريح التحليل العميق: ما وراء النصوص والمذاهب
عندما نغوص في أعماق الجدل، نجد أن الخلاف الحقيقي ليس على "الله" أو "الرسول"، بل على "الواسطة". من الذي يملك سلطة التفسير؟ السنة وثقوا في "عدالة الصحابة" كحلقة وصل أمينة، بينما حصر الشيعة هذه الأمانة في "أهل البيت". هنا تكمن العقدة. هذا التباين خلق فجوة في علم الرجال والجرح والتعديل؛ فما يراه السني صحيحاً قد يراه الشيعي ضعيفاً والعكس صحيح. لكن، أليس من المدهش أن الغايات الأخلاقية والعبادات الكبرى تظل متطابقة بنسبة تتجاوز التسعين بالمائة؟ الصلاة، الصيام، الحج، والزكاة هي أركان ثابتة، والخلل دائماً يظهر في "الهوامش" التي جعلها المتطرفون "متوناً". النقد الذاتي غائب عند الطرفين؛ فالسلفية المتشددة تنفي الآخر تماماً، والتشيع المغالي يغرق في المظلومية التاريخية. الحق هنا يتوزع بين شتات الحقيقة؛ فالسنة حفظوا "ظاهر" الشريعة وهيكل الدولة، والشيعة حفظوا "باطن" الولاء والروح الثورية ضد الظلم. إن محاولة ترجيح كفة على أخرى بناءً على نصوص ظنية الورود أو الدلالة هي معركة عبثية في غابة من التأويلات. الحقيقة هي أن كلا الطرفين يمثلان "جناحي" طائر واحد، إذا كُسر أحدهما سقط الطائر في وحل التبعية لغيره.
تداعيات الواقع ومآلات الصراع على الأرض
الآثار العملية لهذا الانقسام لم تعد حبيسة الكتب الصفراء، بل صارت وقوداً للحروب بالوكالة وتمزيق النسيج الاجتماعي. عندما تسأل "من على حق؟" في سياق سياسي، أنت تسأل فعلياً "من يملك القوة؟". تحول المذهب من مدرسة فكرية إلى أيديولوجيا قتالية هو الكارثة الكبرى. في المجتمعات المختلطة، نجد أن التمترس خلف الهوية الطائفية يلغي المواطنة. الحق لا يمكن أن يكون مع طرف يحرض على كراهية جاره لمجرد اختلاف في تفاصيل "الوضوء" أو "التكتف" في الصلاة. إن
العثرات الشائعة ونصائح الخبراء عند البحث
عند الخوض في مسألة من هو على حق بين السنة والشيعة، يقع الكثيرون في فخ "الانتقائية التاريخية"، حيث يتم التركيز على روايات معينة وتجاهل السياق الكلي. من أهم نصائح الخبراء في هذا الصدد هو الابتعاد عن المصادر التي تتبنى لغة التحريض أو التكفير، والاعتماد بدلاً من ذلك على المصادر الأكاديمية والمقارنة التي تعرض وجهات نظر الطرفين بإنصاف.
عثرة أخرى تتمثل في تعميم تصرفات الأفراد على المذهب ككل؛ فالممارسات الشعبية لا تمثل بالضرورة الأصول العقائدية. لذا، ينصح الخبراء بالتركيز على المتفق عليه وهو أكثر بكثير من المختلف فيه، مثل أركان الإيمان والقبلة الواحدة والقرآن الكريم. البحث الرصين يتطلب تجردًا من العاطفة المذهبية الموروثة ومحاولة فهم "الآخر" من خلال كتبه المعتمدة لا من خلال ما يقال عنه في الأوساط المعادية.
الأسئلة الشائعة حول الخلاف السني الشيعي
ما هو أصل الخلاف الجوهري بين المذهبين؟
الأصل تاريخي وسياسي في بدايته، حيث تمحور حول أحقية الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. يرى أهل السنة أن الأمر شورى وقد استقر لصحابة رسول الله، بينما يرى الشيعة أنها نص وإلهام لعلي بن أبي طالب وذريته من بعده. مع مرور الزمن، تطور هذا الخلاف ليشمل بعض الجوانب الفقهية والأصولية.
هل يمكن التقريب بين المذاهب الإسلامية؟
نعم، هناك جهود حثيثة للتقريب بدأت منذ منتصف القرن العشرين عبر مؤسسات كبرى. التأكيد دائماً يكون على أن الاختلاف هو اختلاف تنوع واجتهاد وليس اختلاف تضاد يخرج من الملة، طالما أن الأصول الجامعة قائمة والمصالح العليا للأمة تتطلب الوحدة.
كيف يتعامل الباحث المحايد مع الروايات المتعارضة؟
يعتمد الباحث المحايد منهج "النقد الداخلي والخارجي" للنصوص، مع موازنة الروايات بالحقائق التاريخية المتواترة. الهدف ليس إثبات خطأ طرف، بل فهم السياق السوسيو-سياسي الذي شكل هذه القناعات عبر القرون.
كلمة المحرر: رؤية ختامية
في نهاية المطاف، إن سؤال "من على حق" قد لا يجد إجابة أحادية ترضي الجميع، لأن الحق في المنظور الديني والاجتماعي غالباً ما يرتبط بالزاوية التي تنظر منها. الرؤية الموضوعية تقتضي الإقرار بأن كلا المدرستين ساهمتا في بناء الحضارة الإسلامية وإثراء الفكر الإنساني. الحق الأسمى يكمن في التعايش، واحترام الاجتهاد، وإدراك أن التعددية هي مصدر قوة لا ضعف، طالما ظل الهدف هو البحث عن جوهر الحقيقة والقيم الأخلاقية العليا التي دعا إليها الإسلام.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.