يرفض الشيعة الإمامية أداء صلاة التراويح خلف إمام في المسجد لسبب جوهري وبسيط: يعتقدون أنها بدعة تاريخية لم يشرعها النبي محمد، بل استحدثها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. بالنسبة للعقل الفقهي الشيعي، الأصل في النوافل والمستحبات هو الانفراد والخصوصية، لا التجمهر والعلانية. يرى الفقهاء الجعفريون أن إقحام الجماعة في صلاة مندوبة لم ينص عليها الوحي هو تشريع موازي يخل بقدسية العبادة المنقولة عن المعصوم، مما جعل "التراويح" فاصلاً بارزاً يجسد الانقسام المدرسي حول مفهوم السنة والبدعة.

الجذور والأسس: فلسفة العبادة بين النص والاجتهاد المصلحي

لفهم هذا الموقف، يجب الغوص في أعماق المنهجية الشيعية التي تشترط "التوقيف" في العبادات؛ أي أن كل حركة وسكنة في الصلاة يجب أن تستند إلى نص قطعي أو فعل ثابت عن المعصوم. يؤكد الشيعة، مستندين إلى مرويات تاريخية يتفق عليها الطرفان أحياناً، أن النبي خرج في ليالي رمضان فصلى منفرداً، ولما اجتمع الناس خلفه زجرهم قائلاً: "أيها الناس، إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة". هنا يكمن الصدام؛ فبينما يرى أهل السنة والجماعة أن فعل عمر بن الخطاب كان "بدعة حسنة" تهدف لجمع شتات المسلمين خلف قارئ واحد بدل تشرذمهم، يرى الشيعة أن مصطلح "البدعة الحسنة" هو تناقض لفظي لا يستقيم في ميزان الشريعة.

إن الوجدان الشيعي يتغذى على فكرة الحفاظ على نقاء الممارسة العبادية من أي تدخل بشري، حتى لو كان بدافع التنظيم. يعتبرون أن صلاة "ألف ركعة" في شهر رمضان هي سنة مؤكدة، لكنها تُؤدى "فرادى" في جوف الليل، بعيداً عن صخب التجمعات. هذا الإصرار ليس مجرد عناد طائفي، بل هو التزام بحدود ما رسمه أئمة أهل البيت الذين شددوا على أن صلاة النوافل جماعة تفسدها، باستثناء صلوات محددة كالعيدين والاستسقاء. لذا، فإن المسجد الشيعي في ليالي رمضان يمتلئ بالذاكرين والمصلين، لكن كل ساجد يسبح في فلكه الخاص، يناجي ربه بقلب منفرد.

التحليل المحوري: التراويح كمرآة للخلاف حول مرجعية الصحابة

تتجاوز المسألة مجرد ركعات تُسجد في ليل، لتصل إلى لب الصراع على "المرجعية". بالنسبة للمدرسة السنية، يمتلك الصحابة، لاسيما الخلفاء الراشدون، سلطة تشريعية وتنظيمية تستمد شرعيتها من حديث "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين". في المقابل، يحصر الشيعة هذه السلطة في النبي وعترته فقط. عندما قام الخليفة الثاني بجمع الناس على إمام واحد في المسجد بعد أن رآهم يصلون متفرقين، وصف فعله بـ "نعمت البدعة هذه". هذه العبارة تحديداً هي الوثيقة التي يتكئ عليها الشيعة لإثبات أن الصلاة لم تكن قائمة كجماعة في عهد الرسول ولا في عهد الخليفة الأول.

إن تحليل الفقهاء الشيعة يذهب إلى أن الصلاة في جماعة تضفي صبغة "الوجوب" أو "الشعائرية العامة" على نافلة أراد الله لها أن تكون خفية. يعتقدون أن تحويلها إلى تظاهرة كبرى قد يؤدي مع مرور الأجيال إلى توهم وجوبها، وهو ما يطلقون عليه "التشريع المحرم". ومن هنا، نجد أن الخلاف ليس على "أصل الصلاة" في رمضان، فالجميع يتفق على فضل القيام، بل الخلاف على "هيئة" هذا القيام. الشيعة يقدسون "صلاة الليل" ويدعون إليها بشدة، لكنهم يرفضون قوقعتها داخل إطار "التراويح" السني، معتبرين أن الالتزام بالصورة النبوية الخام هو الأنجع لروحانية المؤمن.

التجليات العملية: كيف يحيي الشيعة ليالي رمضان دون تراويح؟

قد يتوهم البعض أن غياب التراويح يعني خلو المساجد الشيعية من الروحانية الليلية، وهذا تصور قاصر جداً. البديل العملي والعقدي يكمن في "أعمال شهر رمضان" التي تفوق في كثافتها وساعاتها صلاة التراويح التقليدية. ينشغل الفرد الشيعي بقراءة الأدعية الطويلة المأثورة عن الأئمة، مثل دعاء الافتتاح ودعاء أبي حمزة الثمالي، وهي نصوص أدبية وعقدية رفيعة تستغرق ساعات. هذه الأدعية تمثل بالنسبة لهم "معراج" الروح الذي يغني عن التكرار الحركي الجماعي.

علاوة على ذلك، هناك ما يعرف بـ "نوافل شهر رمضان"، وهي صلوات إضافية تصل إلى ألف ركعة موزعة على ليالي الشهر، لكنها تؤدى بشكل فردي تماماً. يرى الشيعة أن الصلاة الفردية في الليل أدعى للإخلاص وأبعد عن الرياء، وتسمح للمصلي بالتدبر في الآيات والخشوع بوتيرته الخاصة دون الارتباط بسرعة أو بطء الإمام. هذا النمط العبادي يرسخ مفهوم المسؤولية الفردية أمام الخالق، ويجعل من ليل رمضان رحلة شخصية نحو التغيير الذاتي، بدلاً من الانخراط في طقس جماعي يراه الفقهاء الشيعة خارجاً عن السياق التشريعي الأصيل.