المحتويات
نعم، الشيعة والسنة إخوة في الدين، والمواطنة، والتاريخ، والمصير، وهذا ليس مجرد شعار عاطفي لذر الرماد في العيون، بل حقيقة شرعية يقرها أصل "الشهادتين" الذي يجمع الطرفين تحت لواء الإسلام. ورغم أن الخلافات العقدية والسياسية متجذرة في التاريخ الإسلامي، إلا أن المشتركات الكبرى تفوق نقاط التماس التصادمية بمراحل. السؤال اليوم لا يتعلق بمشروعية الأخوة، بل بالقدرة على استعادتها من براثن التسييس والتحريض الذي جعل من التنوع المذهبي خندقا للعداء بدلا من كونه ثراء فكريا.
جذور السياق: الأصول الواحدة والمسارات المتباينة
حين نبحث في ثنايا التاريخ الإسلامي، نجد أن التمايز بين السنة والشيعة لم يبدأ كشقاق عقدي مفاصل في جوهر الإيمان، بل انطلق من رحم التساؤل السياسي حول "الإمامة" أو قيادة الأمة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. الشيعة، بنظرتهم التي تركز على الحق الإلهي والوصية لآل البيت، والسنة بتركيزهم على الشورى والاختيار المجتمعي، كلاهما يستمد مرجعيته من القرآن والسنة النبوية، وإن اختلفا في طرق الاستنباط وتوثيق الروايات. إن هذا التباين ليس خروجا عن الملة بقدر ما هو تبلور لهويات كلامية وفقهية نضجت عبر القرون. المشكلة تكمن في "الوعي المشوه" الذي يتجاهل أن البيت الواحد يتسع لآراء متعددة. إن القواسم المشتركة مثل التوحيد، نبوة محمد، الحج، الصيام، والقبلة الواحدة، تشكل "الكتلة الصلبة" التي لا يمكن تفتيتها. ومع ذلك، تم تضخيم المسائل الفرعية لتبدو وكأنها أصول تهدم بنيان الأخوة. لابد من إدراك أن الصراع الحقيقي تاريخيا كان صراع دول وإمبراطوريات (مثل العثمانيين والصفويين) استخدمت المذهب كغطاء للتوسع الجيوسياسي، وهو ما ورثناه اليوم كأنه "إرث مقدس" لا يجوز المساس به، بينما هو في الحقيقة نتاج ظرفي لمصالح سلطوية بائدة.
التحليل الجوهري: ما وراء الشعارات والمساجلات
إذا أردنا تشريح العلاقة بعمق، نجد أن "الأخوة" هنا ليست تنازلا عن الهوية الخاصة لكل فريق، بل هي "اعتراف متبادل" بالحق في الاختلاف تحت سقف الوحدة. يخطئ من يظن أن التقريب يعني صهر المذهبين في بوتقة واحدة، فهذا مستحيل وغير منطقي. الأخوة تعني أن دماء المسلم على المسلم حرام، وأن التكفير هو الخطر الوجودي الأكبر الذي يهدد كيان الأمة. في الفقه السني، نجد اعترافا صريحا من كبار العلماء (مثل فتوى الشيخ شلتوت الشهيرة) بجواز التعبد بالمذهب الجعفري، وفي المقابل، نجد صرخات عاقلة من مراجع شيعية تحرم سب الصحابة أو النيل من رموز السنة. لكن، لماذا تغيب هذه الأصوات؟ لأن "آلة الكراهية" تمتلك تمويلا أضخم ومنصات أعلى صوتا. إن تحليل المشهد يتطلب جرأة في مواجهة "تجار الفتن" الذين يقتاتون على إحياء معارك صفين والجمل في القرن الحادي والعشرين. الأخوة تتعثر حين تتحول العقيدة إلى أداة إقصاء، وحين يتم استحضار نصوص من كتب التراث وضعت في سياق حروب قديمة، وإسقاطها على واقع معاصر يتطلب التكاتف لمواجهة تحديات الحداثة والتنمية. إن العقل الجمعي يحتاج إلى "إعادة ضبط" لتفهم أن الاختلاف في الفروع هو رحمة، وأن التنوع داخل الإسلام هو سر بقائه وقدرته على الانتشار في بيئات ثقافية متنوعة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.