المحتويات
يكمن الجوهر في الانحراف عن المسار الفطري الذي رسمه الرعيل الأول من الصحابة والتابعين، حيث تحولت القضية من توحيد خالص واتباع للنص القرآني والسنة النبوية الثابتة إلى فلسفة قائمة على "الإمامة" كأصل من أصول الدين. إن الخطأ الجذري يتبدى في جعل الولاية شرطاً لصحة الإيمان، وهو ما لم يأتِ به نص قطعي الدلالة في الكتاب العزيز، مما خلق فجوة سحيقة بين الواقع التاريخي وبين التنظير الميتافيزيقي الذي تبناه الفكر الشيعي عبر القرون، محولاً الدين من رسالة عالمية إلى منظومة وراثية محصورة.
الجذور التاريخية والمآزق التأسيسية للمذهب
إذا أردنا تشريح البنية التحتية لهذا الفكر، فلا بد من العودة إلى اللحظات الحرجة التي تلت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. لم يكن ثمة "شيعة" بالمعنى الاصطلاحي العقدي، بل كان حراكاً سياسياً مشروعاً في بدايته، سرعان ما غلفته هالات من القداسة غير المبررة. إن الاعتماد على "النص" الغائب أو "الوصية" المزعومة يصطدم اصطداماً مباشراً بصريح القرآن الذي جعل الشورى أساساً للحكم. الخلل هنا ليس مجرد وجهة نظر سياسية، بل هو استيراد لمفاهيم ثيوقراطية غريبة عن الروح العربية والإسلامية البسيطة. المذهب الشيعي، في تطوره المتأخر، استلهم أنماطاً من التفكير الكسروي الساساني حيث "الدم المقدس" و"الحق الإلهي" للملوك، وأسقطها على آل البيت، وهم من ذلك براء. هذا الخلط العجيب أنتج منظومة "العصمة" التي ترفع البشر إلى مصاف لا يبلغها إلا الأنبياء، مما ينسف المبدأ الإسلامي الأصيل: "كل بني آدم خطاء". إن محاولة قسر التاريخ على مقاسات طائفية ضيقة تسببت في قطيعة معرفية مع تراث الأمة الجامع، وجعلت من المذهب جزيرة منعزلة تقتات على سرديات المظلومية بدلاً من البناء على المشتركات الإنسانية والوحي المنزّل.
التفكيك العقدي: صراع النص والتأويل الباطني
حين نلج إلى عمق الممارسات العقدية، نجد أن الإشكالية تتجاوز الإمامة لتصل إلى مصادر التشريع ذاتها. الاعتماد المفرط على "الأخبار" والآحاد التي يرويها رجال المذهب حصراً، مع ضرب عرض الحائط بصحاح الأمة، خلق ديناً موازياً في كثير من تفاصيله. التأويل الباطني للقرآن يعد من أخطر المزالق؛ فإخراج الآيات من سياقها اللغوي والتاريخي لتنزيلها على أشخاص بأعينهم هو عبث باللسان العربي. كيف يستقيم أن يكون أهم ركن في الدين -وهو الإمامة- غير مذكور صراحة في القرآن بينما فُصلت أحكام الوضوء والمواريث؟ هذا التساؤل وحده يكفي لزعزعة الأركان المنطقية للمنهج. إن المغالاة في تقديس القبور والمزارات، وتصويرها كحواضر تفوق مكة والمدينة فضلاً، يمثل تراجعاً صريحاً عن قيم التوحيد التي جاءت لمحاربة الأوثان والوسائط بين الخالق والمخلوق. الغلو ليس مجرد عاطفة جياشة، بل هو نسق فكري متمرد على بساطة الرسالة المحمدية، وهو ما أدى إلى تشويه صورة الإسلام في وعي الآخر، حيث تحول الدين إلى طقوس جنائزية وممارسات تدمي الأجساد، بعيداً كل البعد عن السكينة الروحية والرفعة العقلية التي ينشدها النص القرآني.
التبعات الواقعية: شظايا الفكر في بنية المجتمع
لا يعيش الفكر في أبراج عاجية، بل ينعكس أثره على حياة الناس وقوة تماسكهم. إن تبني عقيدة "التقية" كمنهج حياة أوجد أزمة ثقة مستدامة بين الشيعة ومحيطهم السني، مما جعل الاندماج الوطني والاجتماعي معضلة كبرى في كثير من الأقطار. التقية ليست مجرد حيلة للمضطر، بل أصبحت في الأدبيات الشيعية "تسعة أعشار الدين"، مما يعني غياب الشفافية في الطرح العقدي والسياسي. هذا الانعزال الشعوري والمؤسساتي أدى إلى نشوء "مجتمع موازٍ" له قضاؤه، وماليته (الخمس)، ومرجعياته العابرة للحدود الوطنية. إن ارتهان الفرد لـ "المرجع" في كل صغيرة وكبيرة يلغي دور العقل الفردي الذي كرمه الإسلام، ويخلق حالة من التبعية المطلقة التي تُستغل غالباً في مآرب سياسية لا تخدم السلم الأهلي. الخطأ هنا بنيوي؛ لأنه يقوم على تقسيم الأمة إلى "ناصب" و"موالٍ"، وهي قسمة ضيزى تزرع بذور الشقاق في كل بيت وكل شارع. إن قراءة الواقع تؤكد أن الارتكان إلى سردية المظلومية التاريخية يعيق النهوض الحضاري، فبدلاً من التطلع للمستقبل، يظل الفكر مرتهناً لصراعات القرن الأول الهجري، محولاً مآسي التاريخ إلى وقود للنزاعات المعاصرة التي لا تنتهي.
المنزلقات المنهجية ونصائح الباحثين
عند دراسة الخلافات العقدية مع المذهب الشيعي، يقع الكثيرون في منزلق التعميم أو الاعتماد على مرويات شاذة لا يقرها محققوهم، مما يضعف الحجة العلمية. النصيحة الجوهرية هنا هي التركيز على الأصول لا الفروع؛ فالمشكلة الأساسية تكمن في نظرية "الإمامة" التي جعلها الفكر الشيعي ركناً من أركان الإيمان يترتب عليه تكفير أو تضليل من لم يؤمن بها، وهو ما لا نجد له أصلاً صريحاً في محكم التنزيل.
يجب على الباحث التحلي بـ الأمانة العلمية عبر الرجوع إلى المصادر الأم لديهم مثل "الكافي" و"بحار الأنوار"، ومقارنتها بالنصوص القرآنية التي تؤكد عدالة الصحابة وتمام الرسالة بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم. من الأخطاء الشائعة أيضاً إغفال أثر السياق التاريخي والسياسي في نشوء بعض العقائد، لذا يُنصح دوماً بتفكيك المقولات العقدية وإعادتها إلى جذورها الأولى لبيان مدى مفارقتها للمنهج النبوي الصافي الذي لم يترك الأمة في حيرة من أمرها أو يرهن دينها بانتظار "غائب".
الأسئلة الشائعة
ما هو الموقف من عدالة الصحابة في الفكر الشيعي؟
يعتبر هذا الملف من أكبر نقاط الخلاف؛ حيث يتبنى الفكر الشيعي موقفاً نقدياً حاداً يصل إلى تضليل أغلب الصحابة بناءً على موقفهم من الولاية. وهذا يتناقض مع نصوص القرآن الكريم التي أعلنت الرضا عن المهاجرين والأنصار، ومع العقل الذي لا يقبل بطلان جيل كامل نقل لنا الدين والقرآن.
هل "التقية" عائق أمام الحوار المذهبي؟
نعم، يراها الكثير من العلماء عائقاً لأنها تشرع إظهار خلاف ما يبطن المرء عند الحاجة، مما يجعل بناء جسور الثقة في الحوارات العقدية أمراً صعباً، إذ يصعب التمييز بين الموقف العقدي الحقيقي وبين ما يقال لغرض المدارة أو الاستهلاك الإعلامي.
لماذا يرفض أهل السنة فكرة "العصمة" للأئمة؟
الرفض ينبع من أن العصمة انقطعت بوفاة الأنبياء، وقوله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم" يقطع الطريق أمام أي تشريع جديد أو إلهام ملزم للبشر يأتي عن طريق غير الأنبياء. إضفاء العصمة على غيرهم هو غلو يرفع البشر إلى مرتبة تضاهي النبوة، وهو ما يخالف التوحيد الخالص.
رأي المحرر الختامي
إن نقد المذهب الشيعي من منظور سني ليس دعوة للكراهية، بل هو ضرورة علمية لاسترداد صفاء العقيدة. الحقيقة التي يتوصل إليها كل باحث منصف هي أن الغلو في الأشخاص وادعاء الحق الإلهي في الحكم هما اللذان أوجدا هذه الفجوة. يبقى المخرج الوحيد هو العودة إلى القرآن والسنة بفهم السلف الصالح، بعيداً عن التأويلات الباطنية التي تمزق وحدة الأمة وتخرج بها عن جادة الصواب.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.