المحتويات
تتأرجح التقديرات حول نسبة أهل السنة في إيران بين المطرقة الرسمية وسندان الإحصاءات الدولية المستقلة، إلا أن الثابت وسط هذا الضجيج الرقمي هو أن نسبتهم تتراوح فعلياً ما بين 10% إلى 15% من إجمالي السكان البالغ عددهم نحو 85 مليون نسمة. ورغم أن الأرقام الحكومية تميل غالباً لتثبيت سقف منخفض لا يتجاوز 9%، إلا أن التوزيع الديموغرافي على الأطراف الجغرافية يوحي بكتلة بشرية ضخمة تلعب دوراً جيوسياسياً يفوق مجرد النسبة المئوية الصرفة في مراكز القرار.
الجذور والامتداد: قراءة في الفسيفساء المذهبية العريقة
لا يمكن اختزال الوجود السني في إيران بوصفه "أقلية" عابرة، بل هو نسيج متجذر يمتد بضاربة في عمق التاريخ الفارسي قبل وبعد التحولات الصفوية الكبرى. يتوزع أهل السنة في إيران على أطراف الهضبة الإيرانية، مما يجعلهم "حراس الحدود" بامتياز؛ فمن بلوشستان في الجنوب الشرقي حيث يسود المذهب الحنفي، وصولاً إلى كردستان في الغرب بمذهبها الشافعي الرصين، نجد تنوعاً إثنياً يمتزج بالهوية العقدية. هذا التموضع الجغرافي ليس مجرد صدفة مكانية، بل هو نتيجة تدافع تاريخي حافظ فيه هؤلاء السكان على هويتهم المذهبية رغم العزلة الجغرافية عن المركز "طهران". إن محاولة حصرهم في رقم واحد تبدو كمحاولة حصر المحيط في فنجان، فالتركيبة تشمل التركمان في الشمال والشمال الشرقي، والعرب في خوزستان، فضلاً عن جيوب في تالش وجنوب فارس. هذا التباعد ليس ضعفاً، بل هو تنوع يمنح المكون السني ثقلاً نوعياً يصعب تجاوزه عند الحديث عن الأمن القومي الإيراني أو الاستقرار الإقليمي، حيث تتداخل العشائرية مع الفقه لتشكل جداراً بشرياً صلباً أمام محاولات التذويب الثقافي.
تشريح الأرقام: لماذا يغيب الإحصاء الرسمي الدقيق؟
تتعمد الماكينة الإحصائية في طهران القفز فوق الخصوصية المذهبية في استمارات التعداد السكاني، حيث يُكتفى عادةً بذكر الدين "الإسلامي" دون الغوص في التفاصيل الطائفية، وهو ما يفتح الباب لسيولة في الأرقام تخدم الأجندات السياسية. الحقيقة الميدانية تكشف عن نمو سكاني لافت في المناطق السنية مقارنة بالمركز، وهو ما يثير هواجس ديموغرافية لدى النخبة الحاكمة. المحللون المستقلون يعتمدون على عدد المقاعد النيابية وتوزيع المساجد والحوزات العلمية السنية كمؤشرات بديلة؛ فإقليم مثل سيستان وبلوشستان يمثل خزانًا بشريًا سنيًا لا يستهان به، وبالمثل في المناطق الكردية. إن غياب الشفافية في لغة الأرقام ليس مجرد تقصير إداري، بل هو استراتيجية تهدف إلى تقليل الزخم السياسي لهذا المكون في المطالبة بحقوقه الدستورية. نحن أمام معضلة إحصائية حيث تشير بعض المصادر الأكاديمية الرصينة إلى أن العدد قد يقترب من 12 مليون إنسان، وهو رقم يكسر الصورة النمطية لـ "الأقلية المجهرية" ويضع الدولة أمام استحقاقات تمثيلية ترفض البيروقراطية الإيرانية الإقرار بها علنًا، خوفاً من تصدع السردية المركزية التي تروج لانسجام مذهبي أحادي اللون.
التبعات الميدانية: ما وراء النسبة المئوية في الواقع اليومي
تتجلى أهمية هذه النسبة في كيفية إدارة الدولة للمساحات العامة والدينية؛ فبرغم ضخامة العدد في الأطراف، يبرز الحرمان من بناء مساجد كبرى في العاصمة طهران كأحد أبرز تجليات التوتر الصامت. النسبة المئوية هنا ليست مجرد رقم في جدول، بل هي قوة ضاغطة تتفاعل مع محيطها الإقليمي في أفغانستان وباكستان والعراق وكردستان. هذا التفاعل يخلق "هوية حدودية" قلقة، حيث يشعر السني الإيراني بوشائج قربى مذهبية عابرة للحدود، مما يجعله في قلب التجاذبات السياسية الكبرى. على الصعيد الاقتصادي، تعاني المناطق ذات الأغلبية السنية من فجوة تنموية واضحة مقارنة بالأقاليم المركزية، مما يحول النسبة السكانية إلى وقود للاحتجاجات المطلبية التي تكتسي أحياناً صبغة هوية. إن الاستثمار في تهميش هذه الكتلة البشرية أثبت فشله، إذ تحولت النخبة الدينية والاجتماعية السنية إلى "بيوت خبرة" محلية تدير شؤون مجتمعاتها بعيداً عن وصاية المركز، مما أوجد سلطة موازية تستمد شرعيتها من المذهب والقبيلة. هذا الواقع يفرض على أي مراقب للشأن الإيراني أن يدرك أن الـ 15% ليست مجرد هامش، بل هي جزء أصيل من المتن الإيراني، لا يمكن استقرار الدولة دون استيعابها بشكل حقيقي يتجاوز الشعارات الوحدوية إلى التمثيل السياسي الفعلي.
تحديات التقدير الإحصائي ونصائح الخبراء
عند البحث في مسألة نسبة السنة في إيران، يواجه الباحثون عقبة أساسية تتمثل في غياب الإحصاءات الرسمية المبنية على الانتماء المذهبي، حيث يكتفي الإحصاء السكاني الإيراني بتصنيف المواطنين كمسلمين بصفة عامة. لذلك، يقع الكثيرون في فخ الاعتماد على مصدر واحد، وهو ما يؤدي لنتائج غير دقيقة.
ينصح الخبراء بضرورة الربط بين العرق والمذهب للحصول على تقدير مقارِب؛ فغالبية الأكراد، البلوش، والتركمان هم من أهل السنة، بالإضافة إلى قطاعات من العرب في خوزستان والتاييك في خراسان. من المهم أيضاً الحذر من التسييس، إذ تميل بعض المصادر المعارضة لتضخيم الأرقام للضغط السياسي، بينما قد تعمد مصادر أخرى لتقليلها. النصيحة الذهبية هي اعتماد نطاق يتراوح بين 8% إلى 15% كإطار عملي يجمع بين تقديرات المؤسسات الدولية مثل "موسوعة أجناس العالم" والتقارير الحقوقية المحلية، مع مراعاة التوزع الجغرافي في المناطق الحدودية الذي يمنح الثقل الديموغرافي لهذه الأقلية.
الأسئلة الشائعة حول السنة في إيران
1. ما هي أكبر المحافظات الإيرانية من حيث التواجد السني؟
تعتبر محافظة سيستان وبلوشستان في الجنوب الشرقي هي المركز الأكبر للسنة (البلوش)، تليها محافظة كردستان وأذربيجان الغربية (الأكراد) في الغرب، ومحافظة كلستان (التركمان) في الشمال، بالإضافة إلى السواحل والجزائر الخليجية في محافظة هرمزغان.
2. هل توجد مساجد للسنة في المدن الكبرى مثل طهران؟
تعد هذه النقطة مثار جدل دائم؛ فبينما يطالب السنة ببناء مسجد مركزي في العاصمة طهران، تذكر السلطات أن هناك مئات المصليات (البيوت المستأجرة) المخصصة للصلاة، لكن الخبراء يؤكدون غياب مسجد جامع مستقل يحمل الطراز المعماري السني في العاصمة، عكس المدن ذات الأغلبية السنية التي تضم آلاف المساجد والمدارس الدينية.
3. ما هي المذاهب الفقهية التي يتبعها سنة إيران؟
ينقسم السنة في إيران بشكل رئيسي بين المذهب الشافعي، وهو السائد بين الأكراد في الغرب والجنوب، والمذهب الحنفي، وهو السائد بين البلوش في الشرق والتركمان في الشمال. ويلاحظ وجود نشاط علمي بارز لعلماء المذهبين في الحوزات العلمية السنية الخاصة بهم.
رأي المحرر: الخلاصة في المشهد السني الإيراني
إن الحديث عن نسبة السنة في إيران يتجاوز مجرد الأرقام الجامدة؛ فهو حديث عن نسيج اجتماعي وتاريخي معقد. من وجهة نظرنا كخبراء، نرى أن الرقم الحقيقي لا يمكن حصره بدقة متناهية دون إحصاء شفاف، ولكن يظل المكون السني رقماً صعباً في المعادلة الإيرانية، ليس فقط من الناحية الدينية، بل من الناحية الجيوسياسية نظراً لتمركزهم في مناطق حدودية حيوية. إن فهم واقع هذه النسبة يتطلب النظر بعين الإنصاف إلى تنوعهم العرقي، وهو ما يجعلهم جسراً ثقافياً يربط إيران بجيرانها في أفغانستان، باكستان، العراق، وتركيا.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.