المحتويات
يبدأ الخلق في الفكر الشيعي من "نقطة" المشيئة، حيث لم يكن هناك زمان ولا مكان، بل ذات إلهية مطلقة غنية عن العالمين. إن الإجابة المباشرة تكمن في نظرية الصدور والفيض؛ فالله لم يخلق الكون بمباشرة مادية أو عناء، بل بكلمة "كن" التي تجلت أولاً في "النور المحمدي" أو العقل الأول، ومن هذا النور انبثقت سائر العوالم من جبروت وملكوت وصولاً إلى عالمنا المادي المشهود، في عملية تراتبية دقيقة تعكس وحدة الصنع وعظمة الصانع.
الجذور الميتافيزيقية وتنزيه الذات عن الحركة والسكون
حين نغوص في أعماق مدرسة أهل البيت، نجد أن مفهوم "الخلق" يبتعد تماماً عن التشبيه أو التجسيم. الله عند الشيعة هو "خالق لا من شيء"، وهذا التعبير ينسف فكرة المادة الأزلية التي تشارك الله في قدمه. في خطب الإمام علي بن أبي طالب في "نهج البلاغة"، نلمس لغة فلسفية شاهقة تصف الانبثاق الكوني بأنه تأزيل للأزل وتأبيد للأبد. الخلق هنا ليس حركة ميكانيكية، لأن الحركة تستوجب زماناً، والزمان نفسه مخلوق.
إن الأساس الذي تقوم عليه هذه الرؤية هو "التوحيد الأفعالي". الله لم يستعن بظهير، ولم يشعر بوحشة فخلق الخلق ليستأنس بهم. بل هو مفيض الوجود بكلمته. هذه "الكلمة" ليست صوتاً يتردد، بل هي الإرادة التكوينية التي لا تتخلف عن مرادها. هنا تبرز إشكالية العقل والوحي؛ فالشيعة يرون أن العقل هو الحجة الباطنة التي تدرك ضرورة وجود مسبب، لكن الوحي (عبر الأئمة) هو الذي يكشف لنا أن "أول ما خلق الله نوره"، وهو برزخ الوجود الذي يربط بين الخالق الأزلي والمخلوق الحادث.
هذا السياق التأسيسي يرفض فكرة "الخلق بالاتفاق" أو الصدفة العمياء. الكون في التصور الشيعي هو "كتاب تدويني" يوازي "الكتاب التكويني" (القرآن). كل ذرة في هذا الوجود هي آية تشير إلى المبدأ، والبداية لم تكن انفجاراً مادياً فحسب، بل كانت تجلياً لأسماء الله وصفاته في مرايا العدم الممكن.
تحليل هيكلية العوالم: من النور الأول إلى الطين اللازب
لنحلل هذه التراتبية المعقدة؛ فالخلق عند الشيعة يمر عبر مراتب "التشكيك الوجودي". الطبقة الأولى هي عالم العقول، وهي مجردات محضة لا تشوبها مادة، حيث تتربع الحقيقة المحمدية كواسطة للفيض. لماذا واسطة؟ لأن الذات الإلهية في غاية القهر والعظمة، ولا يمكن للمادة الكثيفة أن تتلقى الوجود منها مباشرة دون "محول" يلطف هذا التجلي.
بعد عالم العقول، يأتي عالم المثال أو البرزخ، وهو عالم يمتلك المقادير والأشكال دون المادة (كالأحلام الصادقة). ثم أخيراً يأتي عالمنا، عالم "المادة والمدة"، وهو أدنى مراتب الوجود وأكثرها تكثيفاً. هذا التحليل يفكك لغز "كيف يخلق الواحد البسيط كثرة معقدة؟". الإجابة هي أن الكثرة تظهر في مراتب النزول، لكن الوجود في أصله واحد يفيض من منبع واحد.
المبدأ الجوهري هنا هو "بسيط الحقيقة كل الأشياء"؛ فالله واجد لكل كمالات خلقه بنحو أعلى وأشرف، دون أن يمتزج بهم أو يحل فيهم. هذا التحليل ينفي "الحلول والاتحاد" الذي قد يقع فيه بعض المتصوفة، ويحافظ على شعرة معاوية بين تنزيه الخالق وحضوره المهيمن في كل تفاصيل الذرة والمجرة. الخلق عملية مستمرة، "فيض قدسي" لا ينقطع، فلو انقطع المدد الإلهي لحظة واحدة، لساخ الكون في العدم.
الانعكاسات المعرفية لإدراك حقيقة البدء
فهم كيفية خلق الله للكون ليس ترفاً فكرياً في المذهب الشيعي، بل هو ركيزة لبناء "المنظومة الأخلاقية". حين يعتقد الإنسان أن أصل وجوده نوراني، وأنه نتاج إرادة حكيمة لم تتركه سدى، تتبدل نظرته للكون من حوله. الطبيعة هنا ليست عدواً يجب قهره، بل هي "سجدة طريدة" تسبح لله بلسان حالها.
تتجلى الآثار العملية في مفهوم الولاية التكوينية؛ فبما أن الله خلق الكون وفق نظام الأسباب والمسببات، وجعل للنور الأول (الأنبياء والأوصياء) هيمنة بإذنه على هذه المادة، فإن الإنسان يسعى للارتقاء بوجوده ليتصل بهذا المنبع. الخلق يهدف للعبادة، والعبادة هي "المعرفة". إذن، الغاية من هندسة هذا الكون الشاسع هي خلق بيئة تسمح للكائن الواعي (الإنسان) أن يكتشف الخالق من خلال مخلوقاته.
هذه الرؤية تدفع نحو "العمران"؛ فالمادة ليست نجسة أو شريرة، بل هي وعاء لتجلي الإرادة. إن احترام قوانين الفيزياء والكيمياء هو في جوهره احترام للمشيئة الإلهية التي وضعت هذه السنن. هكذا يصبح العلم الطبيعي جزءاً من العلم الإلهي، وتصبح دراسة "الخلق" عبادة في محراب الوجود، حيث يرى المؤمن في كل تشكّل كوني لمسة من لمسات الجمال والجلال التي بدأت قبل أن يكون هناك "قبل".
الأخطاء الشائعة ونصائح الخبراء
عند دراسة مسألة خلق الكون من منظور شيعي، يقع الكثيرون في خطأ الخلط بين "الخلق من عدم" وبين "التفويض المطلق". يعتقد البعض خطأً أن نسبة الخلق لغير الله هي شرك، بينما يوضح علماء الشيعة أن فعل الخلق الصادر عن الأنبياء أو الأوصياء (بإذن الله) هو تجلٍ للإرادة الإلهية وليس استقلالاً عنه. النصيحة الجوهرية هنا هي التمييز بين العلة الفاعلة والعلة المادية؛ فالله هو الموجد والمبدع، والكون ليس إلا فيضاً من رحمته.
خطأ آخر يتمثل في تجاهل البعد العرفاني في الروايات؛ إذ يميل البعض لتفسير "النور المحمدي" بشكل مادي بحت، بينما هو في الحقيقة رتبة وجودية تسبق عالم المادة. ينصح الخبراء بضرورة الرجوع إلى أمهات الكتب مثل "توحيد الصدوق" و"بحار الأنوار" لفهم سياق الأحاديث، مع تجنب الإسقاطات الفلسفية التي قد تخرج النص عن مقصده الشرعي. التوازن بين العقل والنقل هو المفتاح لفهم هذه العقيدة المعقدة.
الأسئلة الشائعة
ما هو أول ما خلق الله في العقيدة الشيعية؟
تتفق معظم الروايات المعتبرة لدى الشيعة على أن أول ما خلق الله هو "العقل"، وفي روايات أخرى "نور النبي محمد (ص)". لا يوجد تعارض بينهما عند العلماء، إذ يُفسر النور بأنه الحقيقة العقلية الأولى التي انبثق عنها الوجود، وهو ما يسمى بـ "الصادر الأول" الذي قامت به الحجة على الخلائق قبل عالم الذر.
هل الكون قديم أم حادث في الفكر الشيعي؟
يؤكد المذهب الشيعي بشكل قاطع أن الكون حادث زماني، أي أنه لم يكن ثم كان. يرفض علماء الشيعة فكرة "قدم العالم" الفلسفية التي تتصادم مع ضرورة وجود خالق غني عن العالمين. فالله هو "القديم" الوحيد بذاته، وكل ما سواه مفتقر إليه في الوجود والبقاء.
ما هو دور الأئمة في عملية الخلق؟
يعتقد الشيعة أن الأئمة هم "وسائط الفيض" بين الخالق والمخلوق. هذا لا يعني أنهم خلقوا الكون باستقلال، بل أن الله جعلهم علة غائية لوجود الخلق (بمعنى أن الكون خُلق لأجلهم) ووسيلة لإيصال الرزق والرحمة، وهو ما يُعرف بالولاية التكوينية التي تعمل دائماً تحت مشيئة الله المطلقة.
رأي المحرر النهائي
إن رؤية الشيعة لخلق الكون ليست مجرد بحث تاريخي، بل هي منظومة متكاملة تربط بين التوحيد والعدل والنبؤة. الجمال في هذا الفكر يكمن في تنزيه الله عن العبث، وتصوير عملية الخلق كرحلة بدأت بالنور وستنتهي بالعودة إلى الحق. الخلاصة هي أن الكون في المنظور الشيعي هو محراب كبير خُلق ليعرف الإنسان ربه من خلال آياته وبراهينه المتجسدة في حججه على الأرض.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.