المحتويات
الإجابة المباشرة والقطعية التي استقرت عليها فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله هي التحريم والمنع، حيث كان يرى أن هذه الألعاب، وإن لم يصاحبها قمار، تفتح أبواباً للشر والصد عن ذكر الله. الدومينو عند ابن باز ليست مجرد قطع خشبية مرقمة، بل هي مظنة لإضاعة العمر في الباطل، وذريعة تؤدي في الغالب إلى الشحناء أو التهاون في أداء الصلوات في مواقيتها، مما يجعل حكمها المنع سداً للذرائع وحماية لجوهر المسلم من العبث الهامشي.
الجذور الفقهية والمقاصدية لحكم الألعاب عند ابن باز
لم يكن الشيخ ابن باز، ذلك الجبل الأشم في الفقه الحنبلي والحديث، ينظر إلى المسائل نظرة سطحية تقتصر على المادة الجامدة للعبة، بل كان يغوص في المآلات والمقاصد. القاعدة الشرعية التي انطلق منها هي أن الأصل في الأشياء الإباحة، لكن هذا الأصل يصطدم هنا بـ "لهو الحديث" و "سد الذرائع". يرى الشيخ أن الدومينو تشبه إلى حد بعيد النرد (الطاولة)، وقد ورد في النرد نصوص نبوية صريحة بالتحريم، فاستصحب الشيخ هذا الحكم ليقينه بأن العلة الواحدة تجمع بينهما: وهي الحظ والمصادفة التي لا تورث عقلاً ولا تبني جسماً. إن الوقت في المنظور البازي هو رأس مال المسلم الوحيد، وتفريط المرء في ساعات طوال أمام قطع "الدومينو" هو نوع من السفاهة التي تتنافى مع الوقار الإسلامي المطلوب. لم يتساهل الشيخ في هذا الأمر لأن التهاون في الصغائر يجر إلى الكبائر، والمجالس التي تُعقد لهذه الألعاب نادراً ما تخلو من الغيبة، أو اللغو، أو على أقل تقدير، الغفلة المطبقة عن تسبيح الله وشكره، وهذا لعمري هو الخسران المبين الذي أراد الشيخ تجنيب الأمة الوقوع في حباله.
التشريح الفقهي والتحليل العميق لمناط التحريم
لماذا يشتد النكير على لعبة قد يراها البعض بريئة؟ التحليل الفقهي الرصين يشير إلى أن "الدومينو" تعتمد في جوهرها على توزيع عشوائي للقطع، مما يجعلها تلتقي مع "الميسر" في مقدماته وإن لم تنتهِ بتبادل الأموال. ابن باز كان يدرك بذكائه الفطري وخبرته الاجتماعية أن هذه الألعاب تخلق نوعاً من الإدمان النفسي الذي يسيطر على لب العبد، فيصبح همه الوحيد هو كيفية رص القطع والانتصار الوهمي. إن المشكلة تكمن في "الصد عن ذكر الله وعن الصلاة"؛ فكم من فريضة ضاعت، وكم من واجب عائلي أُهمل بسبب "دورة" دومينو لم تنتهِ؟ كما أن التشبه بأهل الفسوق والبطالة في مقاهيهم وتجمعاتهم يجعل ممارس هذه اللعبة، حتى وإن كان صالحاً في نفسه، يضع نفسه في مواضع الشبهات. ابن باز لم يكن يحرم لمجرد التحريم، بل كان يستشعر خطر "التلهي" الذي يفرغ الشخصية المسلمة من محتواها الجاد، ويحولها إلى شخصية هشة تبحث عن قتل الوقت، والوقت هو الحياة. لذا، فإن إلحاق الدومينو بالنرد والميسر هو إلحاق لعلة اللهو المجرد الذي لا ينفع في دين ولا دنيا.
الآثار المترتبة والواقع المعاصر في ظل الفتوى
إن إعمال فتوى ابن باز في واقعنا المعاصر يمثل طوق نجاة من حالة "السيولة" التي نعيشها. فالآثار المترتبة على ممارسة هذه الألعاب تتجاوز مجرد الذنب الفردي إلى ترهل مجتمعي؛ حيث تتحول المجالس من محاضن للتربية والمذاكرة العلمية إلى بؤر للضجيج والصراخ على قطع من البلاستيك. كان الشيخ يشدد على أن المسلم "مسؤول عن عمره فيما أفناه"، والدومينو في ميزانه لا تخرج عن كونها عبثاً محضاً. الممارسات العملية تثبت صدق فراسة الشيخ؛ إذ نجد أن البيئات التي تنتشر فيها هذه الألعاب يقل فيها النتاج المعرفي وتكثر فيها الخصومات التافهة. إن البدائل الشرعية التي كان يطرحها الشيخ، من الرياضة البدنية النافعة، أو حفظ المتون، أو حتى الترويح المباح الذي لا يشغل عن الطاعات، هي الطريق الأمثل لبناء مجتمع قوي. لذا، فإن الامتثال لقوله بالتحريم ليس تضييقاً، بل هو تحرير للعقل من أسر التفاهة، وتوجيه للطاقات نحو معالي الأمور بدلاً من سفاسفها التي لا تسمن ولا تغني من جوع في ميزان الحسنات يوم القيامة.
تنبيهات شرعية ونصائح الخبراء عند ممارسة الألعاب
عند النظر في فتاوى الشيخ ابن باز رحمه الله حول الألعاب الشعبية مثل الدومينو، نجد أن التركيز لا ينصب فقط على ذات اللعبة، بل على ما يحيط بها من سلوكيات. ومن أهم المزالق التي يقع فيها الكثيرون هي الغفلة عن ذكر الله وتأخير الصلوات عن وقتها، وهو أمر حذر منه الشيخ بشدة؛ إذ تتحول اللعبة من مباحة أو مكروهة إلى محرمة قطعاً إذا صدت عن الواجبات الدينية.
كما ينصح الخبراء بضرورة الحذر من "شبهة القمار"، فالمراهنة على دفع ثمن المشروبات أو وجبة العشاء من قبل الخاسر تدخل اللعبة في دائرة الميسر المحرم. ولضمان بقاء اللعبة في إطار الترويح المباح، يجب الالتزام بالآتي: أولاً، وضع سقف زمني محدد للعب لا يتجاوز الساعة لضمان عدم إضاعة العمر. ثانياً، مراقبة اللسان من اللغو، أو الشتم، أو الحلف بالله كذباً أثناء الحماس. ثالثاً، التأكد من أن اللعبة لا تثير الضغائن والشحناء بين الأصدقاء، فالمقصد الشرعي من الترويح هو الأنس لا القطيعة.
الأسئلة الشائعة حول حكم الدومينو
1. هل مجرد وجود النرد (الزهر) في اللعبة يحرّمها عند ابن باز؟
يرى الشيخ ابن باز أن الألعاب التي تعتمد على "النرد" محرمة بناءً على الأحاديث النبوية الصحيحة التي نهت عن اللعب بالمنردشير. أما الدومينو، فهي تعتمد على قطع مرقمة وليست نردًا، لذا يرى بعض العلماء أنها أخف حكماً ما لم تلهِ عن ذكر الله، بينما ألحقها آخرون بالنرد إذا اعتمدت كلياً على الحظ والمصادفة.
2. ما هو الضابط الذي يجعل الدومينو محرماً بإجماع المعاصرين؟
تصبح الدومينو محرمة بإجماع إذا اشتملت على عوض مالي (قمار)، أو إذا أدت إلى ترك صلاة الجماعة، أو إذا تضمنت فحشاً في القول. وفي فتاوى نور على الدرب، أكد ابن باز أن التسلية لا تبرر ارتكاب المحظورات أو تضييع الأوقات فيما لا ينفع المسلم في دينه أو دنياه.
3. هل يجوز اللعب مع أفراد العائلة داخل المنزل فقط؟
الأصل في البيوت الستر، لكن الضوابط الشرعية لا تتغير بتغير المكان. اللعب مع العائلة مباح للتآلف بشرط خلوه من القمار والمنكرات، مع ضرورة استثمار الوقت في أحاديث نافعة بدلاً من الاستغراق الكلي في اللعب الذي قد يورث الكسل ويقتل الهمة لدى الشباب والناشئة.
رأي المحرر الختامي
في الختام، يتضح لنا أن منهج الشيخ ابن باز يتسم بالحرص الشديد على وقت المسلم وصفاء قلبه. إن الدومينو في حد ذاتها قد لا تكون محرمة لذاتها عند فريق من أهل العلم لعدم وجود نص صريح فيها، لكنها "بوابة" قد تؤدي إلى مفاسد أكبر. النصيحة الأجدى هي جعل هذه الألعاب استثناءً نادراً لا عادة يومية، وأن يظل المسلم يقظاً لقلبه، فالمؤمن الكيس هو من يوازن بين ترويح النفس وبين عمارة الوقت بما يرضي الله.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.