لا، قطعاً وباليقين القاطع الذي لا يخالطه ريب، ليس أهل السنة كفاراً. إن القول بتكفير السواد الأعظم من أمة محمد ﷺ ليس مجرد زلة لسان، بل هو انزلاق في هاوية الغلو التي حذر منها الشارع الحكيم. أهل السنة هم الذين تتبعوا الأثر، وعضوا على النواجذ بصحيح المنقول وصريح المعقول، فكيف يستقيم عقلاً أو شرعاً إخراج من قامت على أكتافهم حضارة الإسلام من دائرة الإسلام؟ إنهم الأصل، ومن شذ عنهم هو الذي يحتاج لمراجعة أوراقه.

الجذور التاريخية وتهافت دعاوى الإقصاء

حين نبحث في ثنايا التاريخ الإسلامي، نجد أن مصطلح أهل السنة والجماعة لم يظهر كترف فكري، بل كضرورة وجودية لتمييز المنهج الوسطي عن تيارات الغلو والاعتزال والخوارج. إن محاولة وصم هذا الجمع الغفير بالكفر تعكس جهلاً طبقياً بآليات الاستنباط الشرعي. أهل السنة ليسوا حزباً سياسياً ضيقاً، بل هم مظلة تسع الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، اجتمعوا على أصول العقيدة وإن اختلفوا في بعض الفروع النظرية. التكفير سلاح ذو حدين، ومن شهره في وجه الأمة فقد خاطر بدينه، إذ إن قاعدة اليقين لا يزول بالشك تمنع إخراج مسلم من دينه بمجرد تأويل أو رأي مرجوح. إن الأزمة تكمن في "العمى الأيديولوجي" الذي يصيب بعض الطوائف المنغلقة، فترى كل من خالف "رسمها" كافراً، متجاهلة أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هي العروة الوثقى التي تمنع الدماء والأعراض.

تحليل منهجي لضوابط التكفير ومزالق الغلاة

الولوج في لجة التكفير يتطلب جرأة على الله لا يملكها عالم رباني. أهل السنة وضعوا شروطاً وموانع صارمة قبل إطلاق وصف الكفر على المعين، بينما نجد الجماعات المتطرفة تقتات على اجتزاء النصوص. هل يعقل أن نكفر من يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويحج البيت؟ إن الاستدلال بآيات نزلت في المشركين وتنزيلها على المؤمنين هو صلب منهج الخوارج الذي حذر منه الصحابة الكرام. التحليل الرصين يثبت أن أهل السنة هم الأكثر تمسكاً بـ الوسطية الإسلامية، حيث لا يغلون في التنزيه حتى التعطيل، ولا في الإثبات حتى التشبيه. إنهم يمثلون الامتداد الطبيعي لعهد النبوة. إن ادعاء كفرهم يتصادم مع الوعد النبوي بأن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة. فإذا كان "السواد الأعظم" كافراً، فمن بقي من المسلمين؟ هنا يسقط منطق التكفيريين أمام صخرة الواقع التاريخي والنصي المتواتر الذي يؤكد نجاة الطائفة المتمسكة بما كان عليه النبي وأصحابه.

التبعات الواقعية لفتنة التكفير وخطورة التشظي

إن إطلاق أحكام الكفر على أهل السنة ليس مجرد جدل لاهوتي بارد في بطون الكتب، بل هو فتيل يشعل الحرائق في جسد الأمة. عندما يُستباح "الآخر" عقدياً، يسهل استباحة دمه وماله، وهذا هو الجذر النفسي لكل الصراعات الدموية التي مزقت المجتمعات الإسلامية. الآثار المترتبة على التكفير مدمرة؛ فهي تقوض السلم الأهلي، وتفتت النسيج الاجتماعي، وتجعل البأس بين المسلمين شديداً. من الناحية الفقهية، التكفير يعني انقطاع الولاية، وبطلان الأنكحة، ومنع الميراث، وهي أحكام زلزالية لا يمكن بناؤها على أوهام طائفية أو حسابات سياسية ضيقة. إن الواجب الوقتي يفرض علينا التصدي لهذه النزعات الانعزالية، والتأكيد على أن دائرة الإسلام واسعة، وأن الاختلاف في فهم بعض الصفات أو المسائل الفقهية لا يفسد للود قضية، ولا ينزع ربقة الإسلام عن عنق مؤمن. إننا بحاجة إلى ثقافة "الاعتذار" لا "الاستئصال"، وإلى فهم مقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ الضرورات الخمس، وعلى رأسها الدين والنفس، وهو ما ينسفه التكفير من أساسه.

أهم الزلات الشائعة ونصائح الخبراء حول المسألة

من أكبر الزلات المنهجية التي يقع فيها البعض هي الخلط بين "تكفير النوع" و"تكفير العين"؛ حيث يطلق البعض أحكاماً عامة نتيجة الجهل بضوابط الشريعة. يؤكد الخبراء في العقيدة الإسلامية أن أهل السنة والجماعة هم سواد الأمة الأعظم، وأن القول بكفرهم ليس إلا مسلكاً "خارجياً" مارقاً يتصادم مع صريح النصوص النبوية التي عصمت دماء المسلمين وأعراضهم.

لتجنب الانزلاق في هذه الفتن، ينصح العلماء باتباع المنهجية الوسطية التي تقوم على الكف عن أهل القبلة.