في عام 1967، صدمت عالمة الفيزياء الفلكية ج Jocelyn Bell Burnell الأوساط العلمية باكتشاف نبضات غامضة فائقة الدقة قادمة من أعماق الفضاء، ظنها البعض في البداية إشارات من حضارات ذكية خارج الأرض. هذا الكائن الغامض هو ما يُعرف علمياً بالنجم النيوتروني، وهو ذاته "النجم الطارق" الذي أقسم به الخالق في القرآن الكريم. الجواب المباشر والصادم: النجم الطارق لا ينتظر قدوماً مستقبلياً بالمعنى البشري؛ إنه موجود بالفعل الآن، يطرق أبواب الكون بنبضاته الكهرومغناطيسية المتناهية الدقة كل أجزاء من الثانية، في حين يربط البعض مجيئه التأثيري بأحداث كونية كبرى قد تحدث في أي لحظة غير متوقعة.

جذور الطارق: من فضاء السحيق إلى وعي البشرية

لطالما تطلع الإنسان إلى السماء بفضول يمتزج بالرهبة، لكن اللحظة التي تلاقى فيها النص الشريف مع الكشف الفيزيائي الحديث كانت نقطة تحول مذهلة في الفكر الإنساني. النجم الطارق ليس مجرد جرم سماوي عادي يسبح في الفراغ، بل هو نتاج لمأساة كونية مهيبة تحدث عندما ينفد وقود نجم عملاق يفوق كتلة شمسنا بأضعاف مضاعفة. هذا العملاق ينهار على نفسه تحت تأثير جاذبيته الهائلة في انفجار مستعر أعظم (Supernova) مهول، مخلفاً وراءه قلباً شديد الكثافة يضغط كتلة تعادل ضعف كتلة الشمس في كرة لا يتجاوز قطرها مدينة صغيرة. من هنا تولد هذه النجوم النيوترونية النابضة التي تمثل المعنى الحرفي للطارق، حيث تحولت من عملاق متوهج إلى كيان كوني فائق الكثافة، يرسل إشاراته الدورية عبر آلاف السنين الضوئية لتصل إلينا كأصوات طرق منتظم لا ينقطع.

ميكانيكية النبض: كيف يطرق هذا المطرقة الكونية جدران الفضاء؟

العملية الفيزيائية التي تجعل النجم الطارق يرسل طرقاته إلينا تسير وفق خطوات فيزيائية بالغة الدقة والتعقيد:

أولاً، يتقلص النجم المنهار بسرعة خارقة، وبسبب قانون حفظ الزخم الزاوي، تزداد سرعة دورانه حول نفسه بشكل جنوني لتصل إلى مئات الدورات في الثانية الواحدة.

ثانياً، يمتلك هذا النجم مجالا مغناطيسياً خيالياً، يفوق مغناطيسية الأرض بمليارات المرات، مما يؤدي إلى تركيز الطاقة في مسارات محددة.

ثالثاً، تتولد حزم ضيقة للغاية من الإشعاع الكهرومغناطيسي المكثف (مثل أشعة إكس وجاما وموجات الراديو) تنطلق من القطبين المغناطيسيين للنجم.

رأبعاً، أثناء دوران النجم بسرعة فائقة، يدور هذان القطبان الإشعاعيان في الفضاء تماماً مثل منارة السفن على الشاطئ.

خامساً، في كل مرة يتقاطع فيها هذا الشعاع الإشعاعي مع خط رؤية كوكب الأرض، يسجل علماؤنا نبضة كهربائية خاطفة، تظهر في تلسكوباتنا كصوت "طرق" حاد ومتكرر بانتظام مذهل يسلب العقول.

النباض Crab Pulsar: دراسة حالة حية لقلب يحتضر

في قلب سديم السرطان، الذي يبعد عنا حوالي 6500 سنة ضوئية، يقع أشهر مثال حي للنجم الطارق وهو "نباض السرطان" (Crab Pulsar). تشير السجلات التاريخية لعلماء الفلك الصينيين في عام 1054 ميلادية إلى ظهور نجم مؤقت شديد السطوع في السماء لدرجة أنه كان مرئياً بالعين المجردة خلال وضح النهار لعدة أسابيع، وكان ذلك الحدث هو ولادة هذا الطارق. اليوم، يدور هذا الوحش الكوني حول محوره بسرعة هائلة تبلغ 30 دورة كاملة في الثانية الواحدة. إن الطاقة الهائلة التي يطلقها هذا النباض الصغير، والتي تبخر المادة المحيطة به، تقدم للعلماء مختبراً طبيعياً مفتوحاً لدراسة سلوك المادة في أقسى ظروف الضغط والجاذبية والمغناطيسية التي لا يمكن محاكاتها أبداً في أي مختبر على وجه الأرض.

ماذا يقول الخبراء عن النجم الطارق؟

يرى علماء الفلك والفيزيائيون أن الحديث عن "النجم الطارق" يفتح بابًا واسعًا للربط بين النصوص الدينية القديمة والاكتشافات العلمية الحديثة. يوضح الخبراء أن الوصف الوارد في النصوص يتطابق بشكل مذهل مع خصائص النجوم النيوترونية النابضة (Pulsars). هذه الأجرام السماوية فائقة الكثافة تدور حول نفسها بسرعة هائلة، مما يسبب صدور نبضات كهرومغناطيسية منتظمة تشبه تمامًا صوت طرقات المطرقة على السندان. يؤكد المتخصصون في علم الكونيات أن رصد هذه الإشارات لم يكن ممكنًا إلا باستخدام التلسكوبات اللاسلكية المتطورة في العصر الحديث، مما يجعل الإشارة التاريخية إليها أمرًا يثير الدهشة والاهتمام العلمي. ومع ذلك، يشدد الباحثون على ضرورة التمييز بين الحقائق العلمية المرصودة وبين التفسيرات التأويلية التي تحاول تحديد موعد دقيق لظهوره أو اقترابه من الأرض، مؤكدين أن الكون مليء بالأسرار التي لا نزال نكتشفها يومًا بعد يوم.

---

الأسئلة الشائعة حول النجم الطارق

هل يمكن رؤية النجم الطارق بالعين المجردة من الأرض؟

في الوقت الحالي، لا يمكن رؤية النجوم النيوترونية أو النابضة بالعين المجردة لأنها أجرام صغيرة الحجم للغاية مقارنة بالنجوم العادية، على الرغم من كتلتها الهائلة. يعتمد العلماء بالكامل على المراصد الفلكية الراديوية والتقنيات الحديثة لالتقاط الإشارات والنبضات الصادرة عنها وتحليلها، وبالتالي فإن رؤيتها المباشرة دون معدات متخصصة تعد أمرًا غير ممكن علميًا في الوقت الراهن.

هل يشكل اقتراب النجم الطارق خطرًا حقيقيًا على كوكب الأرض؟

من الناحية الفلكية، تبعد النجوم النابضة المعروفة آلاف السنين الضوئية عن مجموعتنا الشمسية، مما يعني أنها لا تشكل أي تهديد مباشر أو خطر على الأرض في المستقبل المنظور. يوضح العلماء أن أي جرم سماوي بهذا الحجم والكثافة إذا اقترب من النظام الشمسي سيحدث اضطرابًا جاذبيًا هائلاً، لكن المؤشرات الفلكية الحالية تؤكد استقرار مسار كوكبنا بعيدًا عن هذه المصادر المدمرة.

---

سؤال مفتوح يثير الفضول

إذا كانت التكنولوجيا الحديثة قد كشفت لنا عن أصوات ونبضات أجرام سماوية تبعد عنا ملايين السنين الضوئية، فهل سنتمكن يومًا من فك الشفرة الكاملة لهذه الطرقات الكونية، أم ستظل هذه النجوم تطرق أبواب سمائنا بصمت لا نفهمه تمامًا؟