في عام 1967، صُدمت عالمة الفلك جوزلين بيل بإشارات لاسلكية غريبة تتكرر بانتظام صارم كل 1.3 ثانية من أعماق مجرتنا، وظن العلماء لوهلة أنها رسائل من حضارات ذكية خارج الأرض. الحقيقة كانت أعجب بكثير، فالصوت الذي يُعرف اليوم باسم النجم الطارق هو عبارة عن موجات راديوية منتظمة ناتجة عن دوران النجوم النيوترونية فائقة الكثافة حول نفسها بسرعة مذهلة. هذا الطَّرْق الكوني ليس صوتاً ينتقل في الفراغ كالأصوات الأرضية، بل هو نبضات كهرومغناطيسية دقيقة تحاكي صوت المطرقة الصارمة عند تحويلها إلى ترددات صوتية مسموعة.

مخاض كوني من رحم الانفجار العظيم للمستعرات

تخيل جِرْماً سماوياً يفوق كتلة شمسنا بكاملها، لكنه مضغوط بعنف شديد ليتخذ حجماً لا يتعدى مساحة مدينة صغيرة كالقاهرة أو لندن. هكذا تولد النجوم النيوترونية، أو ما يُطلق عليه علمياً النابضات، عندما تنفد الطاقة النووية من نجوم عملاقة فتنهار جاذبيتها على نفسها في انفجار مستعر أعظم (سوبرنوفا) يزلزل أركان الفضاء. ينهار قلب النجم بعنف مرعب، تندمج الإلكترونات والبروتونات لتتحول إلى نيوترونات متراصة بكثافة لا يمكن لعقل بشري استيعابها بسهولة. إن ملعقة صغيرة من مادة هذا النجم تزن مليارات الأطنان، ومن رحم هذا التكدس الخرافي للمادة تندفع الطاقة المغناطيسية والدورانية لتخلق ظاهرة الطَّرْق. هذا الكيان الوليد يمتلك مجالاً مغناطيسياً أقوى بمليارات المرات من مجال الأرض، ويبدأ بالدوران حول محوره بسرعات جنونية مفرطة نتيجة الحفاظ على الزخم الزاوي، تماماً كما تزداد سرعة متزلج الجليد عندما يضم ذراعيه إلى جسده أثناء الدوران السريع.

آلية الدوران والنبض اللولبي: كيف يحدث الطَّرْق؟

تتحكم في إنتاج هذا الصوت الميكانيكية المعقدة للديناميكا الكهرومغناطيسية الفائقة، ويمكن تفكيك هذه العملية الفيزيائية المذهلة عبر خطوات متسلسلة ودقيقة للغاية:

أولاً: يمتلك النجم النيوتروني قطبين مغناطيسيين لا ينطبقان بالضرورة على محور دورانه الهندي، مما يخلق عدم اتساق حركي مستمر.

ثانياً: تتسارع الجسيمات المشحونة مثل الإلكترونات والبوزيترونات في المجال المغناطيسي الفائق للنجم، وتنطلق مقذوفة من القطبين بسرعة تقترب من سرعة الضوء.

ثالثاً: تنتج هذه الجسيمات المتسارعة حزمة ضيقة وفائقة التركيز من الإشعاع الكهرومغناطيسي وموجات الراديو المستمرة التي تنبعث عمودياً من الأقطاب.

رابعاً: مع دوران النجم بسرعة فائقة، يدور هذان الشُعاعان في الفضاء تماماً مثل منارة السفن التي تبث ضوءها بشكل دائري مستمر في عرض البحر.

خامساً: في كل مرة يتقاطع فيها هذا الشعاع الكوني مع خط رؤية تلسكوباتنا الأرضية، نسجل نبضة طاقة حادة وقصيرة جداً، وهو ما يظهر كطرقات متتالية عند معالجتها صوتياً.

النابض الصاروخي Crab Pulsar: المطرقة السديمية الحية

يعد نابض سديم السرطان، والمعروف علمياً باسم PSR B0531+21، النموذج الحقيقي الأكثر رعباً وإثارة لدراسة هذه الظاهرة الفلكية النادرة. يقع هذا النجم الطارق في قلب سديم السرطان، وهو بقايا انفجار نجمي هائل رصده علماء الفلك الصينيون بدقة متناهية في عام 1054 للميلاد لدرجة أنه كان مرئياً وواضحاً بالعين المجردة خلال وضح النهار. يدور هذا النابض المرعب حول نفسه بمعدل مذهل يصل إلى 30 مرة في الثانية الواحدة، بقطر لا يتجاوز 20 كيلومتراً فقط. عندما قام علماء الفيزياء الفلكية بتحويل الإشارات الراديوية المنتظمة القادمة منه إلى ترددات مسموعة عبر مكبرات الصوت، انبثق صوت طَّرْق متواصل وسريع يشبه إلى حد كبير صوت محرك سيارة سباق يزأر بعنف، أو ضربات مطرقة آلية لا تهدأ. هذا الطَّرْق المنتظم يمثل دليلاً حياً على القوة الساحقة التي تختبئ في طيات الكون المهجورة.

ماذا يقول خبراء الفلك عن هذا الصوت؟

يرى علماء الفلك والفيزياء الكونية أن الصوت الصادر عن النجم الطارق ليس صوتاً طبيعياً ينتقل عبر الهواء كما نعرفه في محيطنا الأرضي، بل هو في الأصل عبارة عن نبضات كهرومغناطيسية ودفقات إشعاعية منتظمة ذات دقة متناهية. يوضح الخبراء في وكالات الفضاء العالمية أن هذه النجوم النيوترونية شديدة الكثافة تدور حول محورها بسرعة فائقة تصل إلى مئات المرات في الثانية الواحدة، مما يؤدي إلى توليد مجالات مغناطيسية هائلة وانبعاث حزم ضيقة من الإشعاع الراديوي من أقطابها.

عندما تقطع هذه الحزم الإشعاعية مسار الرصد الأرضي أثناء دوران النجم، يتم التقاطها بواسطة التلسكوبات اللاسلكية العملاقة، ومن ثم يقوم العلماء بتحويل هذه الإشارات إلى ترددات صوتية مسموعة تشبه تماماً صوت الطرق المتتالي أو النقر السريع. ويؤكد الباحثون أن هذه الطرقات الكونية المنتظمة تشبه إلى حد كبير عمل الساعات الذرية الفائقة، مما يتيح للعلماء دراسة تشوهات الزمان والمكان واختبار نظريات الفيزياء الحديثة بدقة لا مثيل لها.

أسئلة شائعة حول النجم الطارق

هل يمكن للإنسان سماع صوت النجم الطارق في الفضاء مباشرة؟

لا، لا يمكن للإنسان سماع هذا الصوت بشكل مباشر في الفضاء الخارجي. السبب العلمي يعود إلى أن الفضاء عبارة عن فراغ تام وخالٍ من الهواء، والصوت كموجة ميكانيكية يحتاج حتماً إلى وسط مادي مثل الغاز أو السائل لينتقل من خلاله. ما يفعله العلماء هو التقاط الموجات الراديوية الصادرة عن النجم عبر لواقط التلسكوبات المتطورة، ثم يقومون بمعالجتها برمجياً وتحويلها إلى موجات صوتية يمكن للأذن البشرية استيعابها وسماعها بوضوح.

ما الفرق بين النجم الطارق والثقب الأسود في الكون؟

على الرغم من أن كلاهما يمثلان بقايا نجوم عملاقة انفجرت وماتت، إلا أن هناك فرقاً جوهرياً في طبيعتهما. النجم الطارق أو النجم النيوتروني هو جرم ذو كثافة عالية جداً لكنه لا يزال يشع طاقة وموجات يمكن رصدها وتحديد موقعها بدقة في السماء. أما الثقب الأسود، فكثافته وجاذبيته تصل إلى حد الانهيار الكامل للمادة، بحيث لا يسمح حتى للضوء بالهروب منه، وبالتالي لا يمكن رصده بشكل مباشر بل يتم الاستدلال عليه فقط من خلال تأثيره المدمر على الأجرام المحيطة به.

هل نحن وحدنا في هذا الكون الصاخب؟

إذا كانت هذه النبضات الطارقة المنتظمة قد ملأت أعماق السديم بـ إيقاعاتها الغامضة منذ ملايين السنين قبل أن نتمكن من صنع التلسكوبات لسماعها، فكم عدد الأصوات والإشارات الكونية الأخرى التي تعبر كوكبنا الآن في هذه اللحظة، دون أن نمتلك التكنولوجيا المناسبة لفك شفرتها أو فهم الرسائل الكامنة وراءها؟