بشكل مباشر وقاطع، يرى المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، علي الخامنئي، أن لعبة الكيرم تخرج من دائرة التحريم إلى فضاء الإباحة ما لم تقترن بالمقامرة أو الرهان المالي. الإجابة ليست مجرد "نعم" أو "لا" عابرة، بل هي حكم شرعي يستند إلى طبيعة الآلة والغاية من اللعب. إذا خلت المنافسة من شرط مادي مسبق، ولم تُصنف اللعبة في العرف العام كأداة قمار محضة، فهي تندرج تحت أصل البراءة والمشروعية، وهو ما يفتح الباب أمام الملايين للاستمتاع بها دون حرج ديني.

جذور الفتوى وسياق الآلات القمارية في الفقه المعاصر

لطالما أثارت الألعاب التي تعتمد على المهارة اليدوية والتركيز البصري، مثل الكيرم، زوبعة من التساؤلات في الأروقة الحوزوية، لا سيما مع تداخل مفاهيم "آلات القمار" و"أدوات التسلية". في فكر السيد الخامنئي، المدار يدور حول الصدق العرفي؛ بمعنى هل ينظر المجتمع والناس إلى هذه اللوحة الخشبية ومنافساتها كطريقة لتبادل الأموال بغير حق، أم أنها وسيلة لتمضية الوقت وتنمية المهارات؟ الفقه التقليدي كان يتشدد في تحريم كل ما يشبه النرد أو الشطرنج بناءً على نصوص تاريخية، لكن القراءة المعاصرة التي يتبناها الخامنئي تفرق بين "الجوهر" و"الظاهر".

إن فلسفة التحريم لديه ترتبط ارتباطاً وثيقاً بفساد المفسدة المترتبة على اللعب. إذا تحولت الكيرم إلى وسيلة لإضاعة الفرائض الدينية أو كانت سبباً في شحناء وبغضاء نتيجة رهان مادي، انقلب الحكم من الإباحة إلى الحرمة. لكن، في غياب هذه العوارض، تظل الكيرم في نظر الخامنئي رياضة ذهنية وبدنية خفيفة. هذا التمييز الدقيق ينبع من قاعدة أصولية مفادها أن الأحكام تابعة للموضوعات، فإذا تغير موضوع اللعبة من "وسيلة مقامرة" إلى "وسيلة ترفيه"، تغير الحكم بالضرورة. هذا النفس الاجتهادي هو ما يميز فتاواه التي تحاول مواءمة متطلبات العصر مع الثوابت الشرعية، بعيداً عن الجمود الذي قد يضيق على الناس حياتهم اليومية.

التشريح الفقهي للعبة الكيرم: المهارة مقابل الحظ

عند الغوص في التفاصيل الفنية التي يبني عليها الفقيه رأيه، نجد أن الكيرم تعتمد بوضوح على الفيزياء والزخم وليس على رمية نرد مجهولة النتائج. هذا الفارق الجوهري هو العمود الفقري لفتوى الإباحة. الألعاب التي تعتمد على الحظ الصرف هي التي يشتد التحريم حولها، بينما الألعاب التي تستوجب دقة في الحركة وتنسيقاً بين العين واليد تُعامل معاملة الرماية أو الفروسية في سياقات معينة. الخامنئي في استفتاءاته المتعددة يؤكد أن شرط "عدم الرهان" هو الخيط الرفيع الذي يفصل بين الحلال والحرام.

لا يكتفي الفقيه هنا بالنظر إلى اللوحة الخشبية فحسب، بل يمتد نظره إلى "العرف الوظيفي". هل يُقام لهذه اللعبة دورات عالمية للمقامرة؟ هل هي مرتبطة في ذهن الشارع بالخمّارات أو بيوت اللهو المحرم؟ في حالة الكيرم، الإجابة غالباً ما تكون بالسلب، فهي لعبة عائلية شعبية متجذرة في الثقافات الشرقية. بناءً على هذا التشخيص، يرى الخامنئي أن الحرمة لا تثبت بالظن أو التشابه الصوري مع ألعاب أخرى، بل يجب أن يكون هناك نص صريح أو علة واضحة للقمار. ومن هنا، فإن "الكيرم" تخرج من ربقة التحريم التي طالت ألعاباً أخرى لأنها لم تكتسب صفة "آلة القمار" في الوجدان الشعبي العام، وهذا يمنح اللاعبين مرونة عالية في ممارستها كنوع من الرياضة الاجتماعية.

الآثار العملية المترتبة على فتوى الإباحة مشروطة

ترتب هذه الفتوى واقعاً اجتماعياً ودينياً محدداً لمقلدي السيد الخامنئي، حيث تزيل عن كاهلهم الشعور بالذنب أثناء التجمعات العائلية أو الرمضانية التي تشتهر بوجود طاولة الكيرم. ومع ذلك، فإن هذه الإباحة ليست "صكاً مفتوحاً"، بل هي مشروطة بضوابط أخلاقية صارمة. أولاً، يجب ألا تؤدي اللعبة إلى "هجر الواجب"، فلا يجوز أن تشغل اللاعب عن صلاته أو مسؤولياته العائلية. ثانياً، يشدد الخطاب الفقهي على ضرورة الحفاظ على وقار المؤمن؛ فإذا كانت اللعبة تمارس في أجواء تسودها لغة بذيئة أو صراخ يتنافى مع الأخلاق الإسلامية، تصبح الممارسة مرجوحة أو محرمة بالعرض.

من الناحية العملية، تفتح هذه الفتوى الباب لتنظيم مسابقات "كيرم" في المراكز الثقافية والمساجد أحياناً كنشاط ترفيهي للشباب، طالما أن الجوائز المقدمة (إن وجدت) ليست من جيوب المتسابقين أنفسهم، بل هي تبرع من جهة ثالثة لتشجيع الروح الرياضية. هذا التحول من "المنع المطلق" إلى "التنظيم المشروط" يعكس حركية الفقه في مواجهة المتغيرات الاجتماعية. إن استيعاب الشباب في فضاءات ترفيهية محددة بضوابط شرعية أفضل بكثير، من وجهة نظر تربوية وفقهية، من تركهم لفضاءات مجهولة الضوابط. وهكذا، تتحول الكيرم من مجرد قطع خشبية تتصادم، إلى أداة لتعزيز الروابط الاجتماعية تحت مظلة شرعية واضحة المعالم.

أبرز العقبات ونصائح الخبراء في التعامل مع المسألة

عند البحث في حكم لعبة الكيرم وفقاً لفتوى السيد الخامنئي، يقع الكثير