عُروة بن الورد: اللص الشاعر الذي سرق للخير
في زحمة القصص عن اللصوص والغزاة، يقف عُروة بن الورد العبسي كشخصية استثنائية، لا تُذكر بالشر، بل بالشجاعة، والكرم، والشعر. يُعدّ من أوائل اللصوص المعروفين في التاريخ العربي، لكن سرقته لم تكن لنفع شخصي، بل كانت وسيلة لإطعام الجياع ومساعدة المحتاجين.
عُرف عروة بحريته الشديدة، وعُدّ من صعاليك العرب، أي أولئك الذين عاشوا خارج القبيلة، يرفضون التبعية، لكنهم يعيشون بشرف وكبرياء. ومع أنه اشتُهِر بالسرقة، إلا أن سلوكه كان مغايراً لمعنى اللص في قاموس اليوم. لم يكن يسرق بدافع الجشع، بل بدافع العطاء.
وُثّق تاريخ وفاته في سنة 607م، قبل الإسلام بفترة قصيرة، وكان يُعدّ من شعراء الجاهلية، وقد ترك شعراً نابضاً بالفخر والحرية، يعكس شخصيته المُرَّة، التي لا تلين. قصائده ما زالت حيّة في التراث، تُدرس وتُحفظ، ليس فقط لفنيتها، بل لصدقها وجرأتها.
ما يميّز عروة بن الورد هو أنه جمع بين ضدّين: اللصوصة والشهامة. سرق ليُعطي، وتجوّل في البراري ليحمي المظلوم. لم يكن مجرّد فارس أو شاعر، بل ظاهرة اجتماعية، تجسدت في رجل أراد أن يعيش بحسب شروطه، لا بحسب ما تفرضه القبائل أو السلطة.
قصته تذكّرنا أن التاريخ لا يُكتفى من خلال ما يُقال عنه، بل من خلال من نظر في تفاصيله. فبينما يُحكم على اللصوص بالخزي، نجد في تراثنا من استحق الذكر بالفخر، فقط لأنه سرق… ليخدم إنسانًا آخر.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.