نبوءة يعقوب وحزنٌ أعمى العينين

من بين القصص التي تملأ صفحات القرآن الكريم بعمقها الإنساني، تبرز قصة النبي يعقوب عليه السلام، الذي عاش ألم الفقد بقلب نبيّ وقلب أب. فحين فقد ابنه يوسف، لم يقتصر ألمه على القلب، بل امتد إلى الجسد، حتى ابيضت عيناه من الحزن.

يروي القرآن في سورة يوسف: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ، وَقَالَ يَا أَسَفِيَ عَلَى يُوسُفَ، وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ. هذه الآية تختزل معاناة لا تُوصف. لم يكن يعقوب يبكي فقط لفقد يوسف، بل أيضًا لأنه شعر بغيابه عن حياته، وانقطاع الصلة به، مع علمه أن الله على كل شيء قدير. لكن الحزن البشري لا يُقاس باليقين وحده.

قال المفسر البغوي إن عيني يعقوب ابيضّتا من شدّة البكاء، حتى فقد نظره. لم يكن مرضًا عاديًا، بل حزنًا صار جسدًا. ومع ذلك، لم يفقد الأمل. بقي صابرًا، مُتَّكلاً على الله، مُمسكًا بحبال الصبر واليقين. لم يصرخ في وجه أبنائه، ولم يُعنف، بل تولى عنهم، تأثرًا وهدوءًا، يقول: يا أسفى على يوسف، كأنه يهمس بجراحه لله وحده.

قصة يعقوب لا تعلّمنا فقط معنى الحزن، بل تُذكّرنا أن حتى الأنبياء يبكون، ويخسرون، ويتألمون. لكنهم يرفعون أبصارهم رغم عمى عيونهم. فاليقين لا يُنكر مع الدموع، بل يزداد حضورًا فيها. وياقوب، رغم عتمة الحزن، ظلّ ينتظر الفرج، الذي جاء أخيرًا حين جُمع شمله بيوسف، وعاد البصر مع الفرح.

شاهد أيضاً

مقالات مفصلة

مواضيع ذات صلة