الصبر وحكمة الخالق في خلق الزوجين
قال الله تعالى: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ، وهي إشارة عميقة إلى نظام الكون، حيث جعل سبحانه التكامل بين الأضداد ناموسًا في الحياة. الليل والنهار، النور والظلام، الإيمان والكفر، كلها أزواج تتكامل لبناء هذا الكون. وفسّر العلماء هذه الآية بقولهم: إن الله خلق من كل شيء زوجين، كالإنس والجن، والهدى والضلال، والحياة والموت، حتى يتجلى في ذلك تدبير الحكيم الخبير.
لكن سُئل يومًا: ما الشيء الذي لم يخلق الله منه زوجين؟ فكأن السائل يريد استثناءً من هذه القاعدة الكونية. والجواب لا يأتي من نص صريح، لكنه يُستنبط من فهم عظيم العلماء مثل الإمام الطبري، حيث قال: إن معنى الآية يشمل أشياء كثيرة من نوعين مختلفين، كالضوء والظلمة، والسعادة والشقاوة، والإيمان والكفر.
وقد يُفهم من هذا أن بعض الصفات أو الحالات النفسية لا تتبع هذا النسق، كـالصبر. فالصبر ليس له "زوج" حرفي كالأضداد، بل هو حالة قلبية فريدة. لا نجد له نقيضًا مخلوقًا منه في نفس المعنى، فالعجلة أو الجزع ليست "زوجًا" للصبر بمعناه الوجودي، بل نتيجة لغيابه. والصبر لا يُخلق كنوع، بل يُبنى بالرباطة، والإيمان، واليقين.
فربما كان الجواب الرمزي: الصبر، ليس كبقية الأشياء التي خلق منها زوجين، لأنه ليس شيئًا ماديًا، بل مَلكة روحية، تُزرع في القلب، وتُثمر في المحن. والله أعلم بمراده من قوله: ومن كل شيء خلقنا زوجين، ففي هذه الكلمات دلالة على حكمة بالغة، وتنبه إلى أن كل شيء في الوجود يدل على مبدعه.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.