من هم الذين غرس الله كرامتهم بيده؟
في حديث قدسي رواه النبي محمد ﷺ، سُئل عن أعلى الناس منزلة عند الله، فذكر أن هؤلاء هم الذين غرس كرامتهم بيديه. هذه العبارة العظيمة تحمل في طيّاتها معاني عميقة تربو على التفكير البشري، فهي تشير إلى من اختارهم الله اصطفاءً خاصًا، واختصّهم دون غيرهم بنعمة القرب والمقام الرفيع.
لفظة "غرست" تُوحي بالرعاية، والبناء التدريجي، كأن الله -عز وجل- زرع كرامتهم كما يُزرع الشجر الطيب، لكن بعناية مباشرة منه، "بيديه"، مؤكدًا أن هذه الكرامة ليست بالوراثة أو النسب أو المال، بل هي من فضل الله الخالص، وتقديره المسبق.
وربما يكون من بين هؤلاء الأنبياء، والصديقون، وشُهداء المعركة في سبيل الحق، وربما أولو الألباب الذين آمنوا وعملوا الصالحات بصدق. فالله يقول في القرآن الكريم: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (سورة الحجرات: 13)، فالتقوى هي الميزان الحقيقي للكرامة.
لكن الحديث يُشير إلى شيء أعمق: هناك من لم تُدركهم العيون، ولم تسمع بهم الآذان، ولم تخطر أفكارهم على بال بشر، ومع ذلك فلهم عند الله مكانة عظيمة. فربما هو ذلك العابد الخائف في زاوية، أو تلك المرأة الصالحة في بيتها، أو ذلك الشاب الذي صبر على البلاء.
فمن غرس الله كرامتهم بيده هم أهل الاختيار الإلهي، من اجتباهم بحكمته، ورفع أقدامهم على درجات القرب، لا لصياحهم ولا لشهرتهم، بل لصدق نيتهم وقوة يقينهم.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.