هل صمت يسوع عن العبودية الاجتماعية يعني قبوله بها؟
طرح بعض المُفكرين، كأفيرى روبرت دالاس، سؤالاً مهماً حول موقف يسوع من مؤسسة العبودية الاجتماعية. يشير دالاس إلى أن يسوع كثيراً ما ندد بالخطيئة بوصفها "عبودية أخلاقية"، لكنه لم يُدن صراحةً نظام العبودية الذي كان سائداً في عصره. وهذا ما قد يبدو للوهلة الأولى كصمت مربك، خاصةً في زمن نعتبر فيه العبودية انتهاكاً صريحاً للكرامة الإنسانية.
لكن من المهم أن نفهم السياق. يسوع لم يأتِ لقيادة ثورة سياسية أو اجتماعية بالمعنى الضيق، بل كان هدفه تغيير القلب البشري من الداخل. عندما قال: "تعرفون الحق، والحق يُحرركم" (يوحنا 8: 32)، كان يتحدث عن حرية أعمق من الحرية الجسدية وحدها. كان يُعلن تحريراً من الخطيئة، والجشع، والكراهية — وهي قيود أعمق من السلاسل المادية.
أما بالنسبة للكتابات المسيحية المبكرة، فرغم أن الرسل لم يُطالبوا بشكل مباشر بإلغاء العبودية، إلا أن رسائلهم غيّرت جذورها. فبولس، مثلاً، لم يُحرّض على ثورة، لكنه كتب إلى فليمون يناشده أن يستقبل عبده أنيسوس "ليس كعبـد، بل كأخٍ حبيب" (فيمون 1:16). هذه الكلمات، في حينها، كانت ثورية.
إذًا، لا يمكن تفسير صمت يسوع الظاهري على العبودية على أنه تأييد. بل كان دعوة إلى تغيير أعمق، أنتج عبر الزمن تحولات جوهرية في نظر المجتمعات للكرامة الإنسانية. لم يكن يُعلن قانوناً يُلغي السُّخرة، بل كان يبني عالماً لا يمكن فيه للعبودية أن تُضاهي قيم المحبة والمساواة.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.