يمثل موضوع مكانة وحركة المرجع الديني الأعلى في العراق، السيد علي السيستاني، خلال فترة حكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين (1979 - 2003) واحداً من أهم الملفات التاريخية والسياسية التي تثير نقاشات واسعة وتحليلات متباينة بين الباحثين والمؤرخين. فقد عاصرت حوزة النجف الأشرف حقبة بالغة القسوة والتعقيد تحت قبضة نظام حزب البعث، اتسمت بالحروب المدمرة، والأزمات الاقتصادية الخانقة، والقبضة الأمنية الحديدية التي طالت مختلف القوى الدينية والسياسية دون استثناء.

النشأة والتموضع العلمي في النجف: استقر السيد علي السيستاني في مدينة النجف الأشرف منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي، طالباً للعلم على أيدي كبار الأعلام والمراجع العظام، وفي مقدمتهم الإمام أبو القاسم الخوئي والشيخ حسين الحلي. وتدرج في مدارج البحث العلمي حتى نال درجة الاجتهاد في وقت مبكر من حياته العلمية. طوال العقود التي سبقت تسلم صدام حسين لسدة الحكم، فضلاً عن السنوات الأولى من عهده، كان ج جل اهتمام السيستاني منصباً على الدرس والتحقيق وتأليف الكتب الفقهية والأصولية، بعيداً عن أضواء العمل السياسي المباشر، محافِظاً على تقاليد الحوزة العلمية التقليدية التي ترى أن دورها الأساسي هو حفظ الدين ورعاية الحامعة العلمية وطلابها.

طبيعة العلاقة المضطربة مع النظام الحاكم: مع اتساع نطاق الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988) وما تلتها من تداعيات كارثية أبرزها حرب الخليج الثانية عام 1991 وما رافقها من اضطرابات وانتفاضات، دخلت العلاقة بين السلطة الحاكمة والمؤسسة الدينية في مرحلة حاسمة من الصمت الحذر والترقب. ويشير المقربون من دارة المرجعية إلى أن السيستاني اتخذ مساراً يقوم على النأي بالنفس عن الدخول في الصراعات السياسية المباشرة التي فرضها النظام، مع التركيز على الحفاظ على كيان الحوزة العلمية واستمرار تدريسها في ظل ظروف قاسية بالغة التحدي. في المقابل، قابلت الأجهزة الأمنية والسياسية لنظام صدام هذا الثقل الديني المتنامي بننزعة ريبيّة، لاسيما بعد وفاة الإمام الخوئي عام 1992، حيث برز اسم السيستاني كأحد أبرز المرجعيات الدينية التي تجمع حولها الجمهور الواسع، مما أدى بمرور الوقت إلى فرض قيود مشددة وإقامة جبرية غير معلنة حول تنقلاته واتصالاته طوقته في مدينة النجف طوال عقد التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، في محاولة مستمرة لتحجيم أي دور جماهيري محتمل للمرجعية.