مقدمة في مسألة خلق القرآن الكريم

تعتبر مسألة "خلق القرآن" أو حدوثه من المسائل الكلامية العميقة التي شغلت الفكر الإسلامي عبر القرون، وتفرعت عنها نقاشات واسعة بين المدارس العقائدية المختلفة كالعتزل والأشاعة وأهل الحديث والإمامية. وفي العصر الحديث، يتردد صدى هذه النقاشات حول آراء المراجع العظام، ومنهم سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله)، لمعرفة الموقف الدقيق لمدرسة النجف الأشرف الفقهية والعقائدية من هذه القضية التاريخية الشائكة.

الجذور التاريخية لمسألة خلق القرآن

لم تكن مسألة كلام الله سبحانه وتعالى وليدة اللحظة، بل نشأت في أواخر العصر الأموي واشتدت في العصر العباسي، حيث انقسم العلماء إلى فريقين رئيسيين:

  • فريق يرى قدم القرآن: ذهبوا إلى أن القرآن صفة من صفات ذات الله، وصفات الذت قديمة بقدم الله عز وجل، فليس بمخلوق ولا محدث.

  • فريق يرى خلق القرآن أو حدوثه: ذهبوا إلى أن كلام الله اللفظي المكتوب في المصاحف، والمتلو بالألسنة، هو فعل من أفعاله ومخلوق محدث أنزله في وقت معين، لئلا يلزم محذور تعدد القدماء.

موقف السيد السيستاني والاستفتاءات الرسمية

عند الرجوع إلى استتافتات مكتب سماحة السيد علي السيستاني حول هذا الموضوع، نجد إجابات واضحة ومختصرة تحدد بدقة المنهج المتبع. فعندما يُسأل سماحته: "هل القرآن مخلوق أم منزل؟ ولماذا؟" يكون الجواب الصادر عن مكتب الاستفتاءات: "منزل ومخلوق".

وهذا الرأي ينسجم مع التقريرات الفقهية والكلامية المعتمدة عند متقدمي ومتأخري علماء الإمامية، الذين فرقوا بين "كلام الله النفسي" القائم بذاته تعالى (وهو صفة ذات قديمة)، وبين "الكلام اللفظي المكتوب والمقروء" (وهو القرآن المنزل المحدث المخلوق).

Is the Quran created? Our Shia perspective

هذا الفيديو يقدم شرحاً تحليلياً مفصلاً للمنظور الشيعي الإمامي وموقف العلماء مثل السيد السيستاني تجاه مسألة ما إذا كان القرآن مخلوقاً أم لا.

خاتمة تحليلية: رؤية مدرسة النجف الأشرف

الخلاصة العقائدية والتنزيه الإلهي

  • القرآن الكريم منزل ومخلوق: تُبين الاستفتاءات الصادرة عن مكتب سماحة السيد علي السيستاني (دام ظله) أن القرآن الكريم باعتباره كلاماً لفظياً ومكتوباً هو منزل ومخلوق، بمعنى أنه حادث كائناً ما كان من حيث الألفاظ والتركيب والصوت، فالإرادة الإلهية تعلق إيجاده وتنزيله عبر الوحي على قلب النبي محمد صلى الله عليه وآله.

  • الفرق بين الصفة والذات: يرى المحققون من علماء الإمامية أن إطلاق وصف "المخلوق" أو "المحدث" على القرآن اللفظي يأتي تفادياً للقول بقدم ما سوى الله تعالى، حيث إن الاعتقاد بقدم القرآن بذاته يمس بمبدأ التوحيد الخالص ويؤدي إلى القول بتعدد القدماء، وهو ما تنزه عنه الذات الإلهية المقدسة.

البعد المعرفي والتحفظ الاصطلاحي

"إن وصف القرآن بكونه كلام الله تعالى يوجب التدبر في حقيقة المراد؛ فإذا انصرف الذهن إلى الحروف والأصوات, فهي مخلوقة محدثة لا محالة، وإذا انصرف إلى المعنى القائم بالذات المقدسة فهو عين ذاته."

  • التحرز عن الإيهام: على الرغم من قيام الدليل العقلي والنقلي على حدوث الألفاظ، يلاحظ أحياناً تحفظ بعض الفقهاء في تداول تعبير "مخلوق" باختلاف السياقات دفعاً لإيهام النقص أو الاستخفاف بكتاب الله العزيز، غير أن المعنى التحقيقي المعتمد يدور حول كونه فعلاً إلهياً ومخلوقاً باعتباره شيئاً غير الذات الباريّة.

  • الانسجام مع مدرسة أهل البيت (ع): تتسق هذه الفتوى مع الموروث الكلامي المأثور عن الأئمة الاطهار عليهم السلام في حواراتهم التاريخية حول مسألة خلق القرآن، والتي تؤكد أن كل ما عدا الله تعالى فهو مفعول ومصنوع ومبتدع.

هل ترغب في التعرف على تفاصيل أدلة الطرف الآخر (الأشاعرة والمعتزلة) مقارنة بهذه الفتوى؟