مقدمة تعريفية بمفهوم "فتح الكتاب"
يُعدّ موضوع "فتح الكتاب" أو ما يُعرف شبعياً لدى بعض المجتمعات بـ "استفتاح المصحف" أو "الكشف" من الممارسات التي شغلت أذهان الكثيرين على مر العصور.
وقد دُفع هذا التساؤل نحو الواجهة مراراً: هل هذا الفعل مأذون به شرعاً ويُعد من باب التفاؤل المحمود، أم أنه ممارسة محرمة أو مكروهة تخالف مقاصد الشريعة الإسلامية الحكيمة؟
الجذور التاريخية والمفهوم الاصطلاحي للاستفتاح
عرفت المجتمعات الإسلامية عبر تاريخها طرائق متعددة لاستطلاع الغيب أو طلب الدلالة، وكان النص الشريف حاضراً في وجدان الناس كمصدر للبركة والهداية.
ويُفرق العلماء بوضوح بين التفاؤل المشروع بالقرآن الكريم وبين الاستفتاح أو الاستقسام به؛
موقف الفقه الإسلامي وأقوال الأئمة
ذهب جمهور محققي أهل العلم إلى كراهة أو تحريم الاعتماد على فتح المصحف للتفاؤل وتحديد الموقف إقداماً أو إحجاماً. ومن أبرز المحطات الفقهية في هذا السياق:
رأي شيخ الإسلام ابن تيمية:
نص صراحة في فتاويه على أن المصحف لا يُفتتح للفأل، واعتبر أن هذا الفعل ليس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام. شبه الاستقسام بالأزلام:
شبه بعض فقهاء المالكية والشافعية هذا الفعل بما كان يفعله أهل الجاهلية من الاستقسام بالأزلام (القداح) لمعرفة ما توزعهم به الحظوظ، وهو ما نهت عنه الشريعة الإسلامية صراحة. محذور التشاؤم:
بيّن العلماء أن الإنسان قد يفتح المصحف فيصادف آية وعيد أو عذاب، مما قد يوقعه في التشاؤم أو سوء الظن، أو يجعله يحجم عن أمر فيه خير، وهذا تناقض مع مقاصد القرآن الذي أنزل هداية ورحمة لا طيرة وتشكيكاً.
تنبيه فقهي: إن علم الغيب استأثر الله سبحانه وتعالى به وحده، ولا يجوز بححال اتخاذ وسائل غير مشروعة كفتح الكتب أو التمائم لكشف ما ستكشفه الأيام، والمؤمن مأمور بالأخذ بالأسباب المشروعة والاستخارة الشرعية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
هل ترغب في أن أتابع لك كتابة الجزء الثاني من المقال والذي يتناول البدائل الشرعية الصحيحة لصلاة الاستخارة واتخاذ القرار؟
الخلاصة والبدائل الشرعية الصحيحة
استكمالاً لما سبق بيانه حول مفهوم "فتح الكتاب" أو ما يُعرف باستفتاح المصحف لأخذ الفأل واستشراف المستقبل، يتفق جمهور المحققين من أهل العلم على أن هذا الفعل غير جائز وداخل في دائرة الممنوع شرعاً.
لماذا يُمثل هذا الفعل محذوراً شرعياً؟
مخالفة الغاية الكبرى من القرآن: إن كتاب الله عز وجل أُنزل لهداية البشرية، وتدبر آياته، وإحكام التشريعات، لا ليكون أداةً لتنجيم أو معرفة الغيوب التي استأثر الله بها وحده.
الشبيه بالاستقسام: اعتبره عدد من الأئمة كالقرافي والطرطوشي شبيهاً بالاستقسام بالأزلام المنهي عنه، لما فيه من اعتماد على المصادفات العمياء في تحديد مصير الأفعال إقداماً أو إحجاماً.
مفاسد نفسية واجتماعية: قد يخرج للإنسان آية تحذيرية أو عذاب فيصيبه التشاؤم والقنوط، أو قد يفسر الآيات على غير مرادها لتحقيق هوى في نفسه، مما يفتح باباً للوساوس.
البدائل المشروعة والمستحبّة
إذا واجه المسلم أمراً حائراً في حياته أو أراد التوفيق في خطوة جديدة، فقد هداه الشرع الحنيف إلى الطرق السليمة التي تغني عن هذه الممارسات المستحدثة:
صلاة الاستخارة:
وهي البديل الأعظم والأجمل؛ حيث يفوض العبد أمره لبارئه بعد صلاة ركعتين والدعاء المأثور، ليصرف الله عنه الشر ويقيد له الخير حيث كان. التوكل والأخذ بالأسباب:
استشارة أهل الثقة والاختصاص في الأمور الدنيوية، ودراسة المعطيات بعقلانية ومنهجية واعية. التفاؤل المشروع:
الإسلام يحث على التفاؤل وحسن الظن بالله، ولكن بالكلمة الطيبة والنية الصادقة لا بالاستفتاح العشوائي للكتب والمصاحف.
خاتمة: إن الالتزام بالهدي النبوي والتشريعات المعتمدة يريح القلب ويحفظ عقيدة المسلم من التعلق بالوسائل غير الموثوقة، فاقرأ القرآن تعبداً وتدبراً، واستشر ربك بالاستخارة المعتبرة.
هل ترغب في معرفة المزيد عن أحكام صلاة الاستخارة وكيفية تطبيقها عملياً في حياتك اليومية؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.