مقدمة عامة حول الظاهرة وتجلياتما في البيوت المعاصرة
يُعد القرآن الكريم دستور الأمة الإسلامية وربيع قلوبها، ونور البيوت التي يتلى فيها. ومع تطور وسائل التكنولوجيا الحديثة، بات من السهل جداً تشغيل تلاوات القرآن الكريم على مدار الساعة في المنازل عبر الهواتف الذكية، أو الأجهزة اللوحية، أو المذياع، أو الشاشات الرقمية. ويلجأ الكثير من المسلمين إلى هذه العادة المباركة بهدف جلب البركة، وتطرد الشياطين، وتحصين البيت وأهله، أو تهيئة أجواء من السكينة والطمأنينة داخل جدران المنزل.
ولكن، يبرز هنا تساؤل فقهي وشرعي مهم يشغل بال الكثيرين: ما هو الحكم الشرعي الدقيق لتشغيل القرآن الكريم في البيت دون وجود من يستمع إليه بإنصات، أو عند انشغال أهل البيت بالأعمال اليومية، أو حتى عند خروجهم من المنزل ترك الآلات تعمل؟
تتطلب الإجابة عن هذا السؤال تفصيلاً دقيقاً وموازنة بين مقاصد الشريعة الإسلامية في تعظيم كلام الله عز وجل، وبين الرغبة المشروعة في إعمار البيوت بذكر الله تعالى، استناداً إلى آراء الفقهاء والمحققين من أهل العلم.
الموقف الشرعي العام: بين الإجلال والانتفاع بالذكر
لقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بالاستماع للقرآن والإنصات له عند تلاوته، فقال في محكم تنزيله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾. وتدل هذه الآية الكريمة على أن الأصل في التعامل مع القرآن الكريم هو حضور القلب، وتدبر المعاني، والانصات للتلاوة بغية الانتفاع والتأثر بالهدايات القرآنية.
وعلى هذا الأساس، يرى جمهور الفقهاء والمعاصرين أن تشغيل القرآن الكريم وتركه يصدح في مكان لا يوجد فيه من يستمع إليه، أو في مكان يعج باللغط والكلام العام وأصوات الصخب، قد يخالف الأدب الواجب مع كلام الله عز وجل. فالقرآن الكريم لم ينزل ليكون مجرد خلفية صوتية عابرة أو ضوضاء بيئية، بل نزل ليحيا به الإنسان وتتدبر آياته.
1. حرمة الامتهان وضابط اللغط
يُشير العلماء، ومنهم الإمام ابن باز وغيره من أصحاب الفتاوى المعتبرة، إلى أن تشغيل المذياع أو المسجل على القرآن الكريم في مكان يتحدث فيه الناس ولا يلقون له بالاً، أو يخوضون في أحاديث الدنيا والضحك واللغط، يُعد أمراً غير مستحب ويُخشى أن يدخل في باب ترك توقير القرآن وإجلاله. فالواجب صيانة كلام الله عن الابتذال أو جعله في مواضع لا يليق بها من حيث عدم الاكتراث به.
2. الحاجة إلى البركة وتحصين البيت
في المقابل، يذهب بعض أهل العلم إلى جواز تشغيل القرآن الكريم في البيت بقصد جلب البركة، طرد الشياطين، أو تحصين المكان (كشغله عند غياب أهل البيت أو عند نومهم)، بشرط ألا يُعرض عنه استخفافاً، وأن يكون الصوت في مكان طاهر ومناسب. فتشغيل سورة البقرة مثلاً في البيت له فضله الثابت في طرد الشياطين كما ورد في السنة النبوية الشريفة، حتى وإن كان الساكنون نائمين أو غير منصتين بشكل مباشر طوال الوقت.
تفصيل أحوال تشغيل القرآن الكريم في المنازل
لتكون الصورة أكثر وضوحاً، يمكن تقسيم حالات تشغيل القرآن في البيت دون استماع مباشر إلى عدة أقسام رئيسية يختلف حكمها باختلاف الحال والنية:
الحالة الأولى: تشغيل القرآن والخروج التام من البيت أو النوم العميق يجيز جمع من العلماء المعاصرين وضع أجهزة التسجيل لتعمل بالقرآن الكريم أثناء نوم أهل البيت أو عند خروجهم لفترات قصيرة، بقصد استجلاب البركة والحفظ، لعدم وجود محذور اللغط أو الإعراض المتعمد، طالما أن الجهاز مغلق عند العودة أو في حال وجود ما ينافي طهارة المكان واحترامه.
الحالة الثانية: تشغيل القرآن في غرفة وحولها لغط وأحاديث جانبية هذه الحالة هي التي تشدد فيها العلماء، حيث يرى أكثرهم كراهة أو منع رفع صوت القرآن الكريم في مكان ينشغل فيه الجلساء بأحاديثهم العادية والتجارة والدنيا، لأن في ذلك إعراضاً ظاهراً عن الاستماع الواجب أو المستحب لآيات الله البينات.
هل ترغب في أن أستكمل لك الجزء الثاني من المقال والذي يتضمن تفصيل آراء المذاهب والأدلة الفقهية الإضافية؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.