مقدمة إشكالية حول تعظيم كلام الله
يحتل القرآن الكريم مكانة عظيمة وسامية في قلوب المسلمين باعتباره كلام الله عز وجل المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، المنصوص عليه في المصاحف، المكتوب في الصدور، المحفوظ من التغيير والتبديل. ومن مقتضيات الإيمان بهذا الكتاب العزيز والتصديق بقدسيته، وجوب توقيره واحترامه وصيانته عن كل ما يمكن أن يعدّ امتهاناً أو تقليلاً من شأنه.
وتبرز هنا إشكالية عملية تكرر السؤال عنها بين الناس، خصوصاً عند الرغبة في الحفظ أو التحصين أو ضيق المكان، وهي: هل يجوز وضع القرآن الكريم تحت الرأس أو تحت الوسادة أثناء النوم؟
الموقف الشرعي العام: الحرمة والمنع
ذهب جمهور الفقهاء وعلماء الأمة -من مختلف المذاهب المعتبرة وهيئة الإفتاء والمجامع الفقهية المعاصرة- إلى أنه لا يجوز وضع المصحف تحت الوسادة أو تحت الرأس عند النوم.
ويستند هذا الحكم إلى أدلة وقواعد متينة مستمدة من مقاصد الشريعة الإسلامية، أبرزها:
مفهوم الإهانة العرفية:
إن وضع المصحف في مكان يُجلس عليه، أو يُداس بالأقدام، أو يُجعل تحت الرأس والجسد أثناء الاستلقاء، يُعتبر في العرف العام والتقاليد المرعية نوعاً من ترك التوقير والإهانة غير المباشرة. وما عُدّ إهانةً عرفاً لكلام الله فهو محرم شرعاً. إجماع الأمة على التعظيم: نقل الإمام النووي وغيره من أهل العلم اتفاق الأمة الإسلامية على وجوب تعظيم القرآن على الإطلاق، وتنزيهه في كل حال، ورفعه عن كل موضع قد يشعر بالاستخفاف.
مظاهر تكريم المصحف وصيانته
حرصاً من الشريعة على حفظ حرمة القرآن الكريم، وضعت ضوابط واضحة المعالم لكيفية التعامل معه في الأحوال كافة، سواء كان مقروءاً أو مرفوعاً. ومن أبرز مظاهر هذا التكريم:
الارتفاع والمكانة العالية: يُسنّ أن يوضع المصحف في مكان مرتفع وبارز، فوق الكراسي المخصصة له، أو الطاولات العالية، ويحرم وضعه على الأرض مباشرة من غير حائل طاهر يرفعه عن النجاسة أو الامتهان.
عدم إلقاء الأمتعة فوقه:
يحظر وضع الكتب الأخرى أو الحقائب أو الأمتعة فوق المصحف الشريف، لأن في ذلك دلالة على العلو المادي لكتب البشر على كلام رب العالمين. الطهارة والوضوء:
الالتزام بالطهارة عند مسّه أو حمله، امتثالاً لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79]، تعظيماً لمضمونه الرباني العظيم.
الاستثناءات الضيقة: حاجة الحفظ والأمن
على الرغم من الأصل القاضي بالمنع، استثنى بعض أهل العلم حالات خاصة جداً تتعلق بالضرورة أو الحاجة الملحة، مثل الخوف على المصحف الشريف من التلف أو السرقة في مكان لا يجد فيه النائم مكاناً آمناً لرفعه إليه، فيجوز حينئذ وضعه في موضع قريب تحت التحفظ الشديد للضرورة القصوى، لا للاستناد أو اتخاذه وسادة اعتيادية للنوم.
هل تبحث عن تفصيل الأسباب الكامنة وراء هذا الحكم أم تود معرفة البدائل الشرعية للتحصين أثناء النوم؟
البدائل الشرعية والأدعية الصحيحة للوقاية أثناء النوم
استكمالاً لما تم توضيحه في الجزء الأول من المقال حول حكم وضع المصحف تحت الرأس أو الوسادة، والذي خلص إلى عدم الجواز إلا في حالات الضرورة القصوى كخوف سرقته أو تلفه لعدم وجود مكان آمن غيره، فإن الشريعة الإسلامية لم تترك المسلم بلا حماية أو توجيه، بل شرعت له من الأذكار والسنن النبوية ما يكفيه ويحفظه خيراً من وضع المصحف بطريقة قد تمس بقدسيته أو تعرضه للإهانة غير المقصودة.
البدائل العملية لحفظ المصحف
ينبغي على المسلم الحرص على وضع كتاب الله عز وجل في الأماكن المخصصة له؛
الهدي النبوي في الحفظ والتحصين قبل النوم
بدلاً من الاعتقاد الخاطئ بأن وضع المصحف تحت الرأس يطرد الشياطين أو يحمي من الكوابيس، دلّنا النبي صلى الله عليه وسلم على الوسائل الصحيحة والثابتة للوقاية وحفظ النفس والولد، ومنها:
قراءة آية الكرسي: فقد ثبت أن من قرأها عند النوم لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
سورة الإخلاص والمعوذتان (الفلق والناس): حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما وقرأ فيهن، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه بوجه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
أذكار النوم الثابتة:
مثل دعاء "باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه..."، والاستغفار، والتسبيح والتكبير عند الانخراط في النوم كما علّم النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها.
خلاصة القول
إن حب القرآن وتوقيره لا يتم بمخالفة آدابه، بل باتباع توجيهاته وأحكامه. إن صيانة كلام الله عز وجل وتعظيمه واجباً شرعياً، والالتزام بالسنن الصحيحة في التحصين يغني غناء تاماً عن أي ممارسات لم ترد عن السلف الصالح. نسأل الله أن يرزقنا تلاوة كتابه حق تلاوته، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.