لماذا لا نرى الله عند الشيعة؟ (الجزء الأول: الأصول العقلية والفلسفية لاستحالة الرؤية)
تُعدّ مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى بالأبصار واحدة من أهم المسائل العقدية والفلسفية التي شغلت الفكر الإسلامي عبر التاريخ، وتباينت حولها آراء المدارس الكلامية المختلفة.
هذا الموقف الذي قد يبدو للوهلة الأولى مثار تساؤل لدى البعض، لا ينبع من تعطيل لجانب المعرفة الإلهية، بل يرتكز على تنزيه الباري عز وجل عن لوازم المادية والجسمانية.
1. التنزيه المطلق ونفي الجسمانية والجهة
يُجمع متكلمو الشيعة وفلاسفتهم على أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق الواجب الوجود، وكل ما سواه فهو ممكن ومخلوق.
وعند تحليل حقيقة "الرؤية البصرية" من الناحية العقلية والفيزيائية، نجد أنها تستلزم بالضرورة أموراً تتعارض تماماً مع حقيقة الذات الإلهية المقدسة، ومنها:
الجهة والمقابلة:
لا تتحقق رؤية أي شيء بالعين إلا إذا كان في "جهة" محددة، ومقابلاً للرائي. ولو كان الله في جهة لكان محدوداً، والمحدود مخلوق ومحتاج إلى غيره لِيحُده. الجسمية والأعراض:
إن الإبصار البشري يتم إما بانطباع شعاع العين على المرئي أو بانعكاس الصور والأشعة منها، وكل ذلك من خصائص الأجسام المادية والأعراض الزائلة، وهو تعالى عن ذلك علواً كبيراً إذ يقول: . التركيب والتبعّض:
لو رُئي الباري بالأبصار، فإما أن تقع الرؤية على كل ذاته أو على بعضها. رؤية الكل تعني حصر المتناهي لغير المتناهي (وهو محال)، ورؤية البعض تستلزم التركيب والتجزئة في الذات الإلهية، والواجب الوجود بسيط مطلق الحقيقة لا تقبل ذاته التبعيض.
2. الأدلة القرآنية والنبوية الصريحة
تستند الإمامية في نفي الرؤية إلى نصوص قرآنية محكمة، في مقدمتها قول الله تعالى لموسى عليه السلام حين طلب الرؤية:
وعلى خطى الوحي، تأتي كلمات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لتؤكد هذا المعنى البليغ في نهج البلاغة وفي الروايات المتواترة، حين سُئل: "أَتَرَى رَبَّكَ حِينَ تَعْبُدُهُ؟"، فأجاب بكلمته الشهيرة والعميقة: "لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان". فهذا النص يضع حداً فاصللً بين الرؤية البصرية المادية العاجزة، وبين الشهود القلبي المعرفي القائم على اليقين والإيمان الخالص.
نقطة تأمل: إن نفي الرؤية البصرية عند الشيعة لا يعني بحال من الأحوال تعطيل معرفة الله أو غيابه عن قلوب العارفين، بل هو ترقية لمفهوم التوحيد الخالص الذي يرفض تجسيم الخالق أو وضعه في أطر مكانية وبصرية محدودة.
سؤال للمتابعة: كيف يتعامل الفكر الإيضاحي والكلامي الشيعي مع النصوص التي توهم ظاهرها إمكانية النظر إلى الله يوم القيامة، مثل قوله تعالى:
الجانب العقدي والقرآني: أدلة نفي الرؤية عند الإمامية
تستند مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في نفي رؤية الله سبحانه وتعالى بالأبصار إلى براهين عقلية دقيقة ونصوص قرآنية صريحة محكمة.
الدلالات القرآنية والحديثية
القرآن الكريم:
يؤكد المولى عز وجل في محكم كتابه هذه الحقيقة المطلقة بقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، حيث يفيد النفي العام بـ "لا" والوصول إلى الإدراك البصري استحالة الإحاطة به تعالى. كما أن قصة نبي الله موسى (عليه السلام) في طلب الرؤية (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) وجواب الإيناس الإلهي (لَنْ تَرَانِي) جاءت لتثبت الامتناع الذاتي والمؤبد لهذه المسألة في الدنيا والآخرة بالبصر الحسّي. الأحاديث الشريفة:
ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين سُئل: "هل رأيت ربك؟" فأجاب إجابة حاسمة تنفي الرؤية الحسية وتثبت المعرفة القلبية: «لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان».
المعنى الحقيقي للرؤية القلبية والشهود الروحي
يشير علماء الشيعة الإمامية إلى أن المعرفة الحقيقية بالله لا تتم عبر حواس الجسد الفانية، بل من خلال الشهود القلبي والبصيرة الإيمانية العميقة.
هل ترغب في التعرف على تفاصيل إضافية حول كيفية تفسير الآيات المرتبطة باليوم الآخر في هذا السياق؟
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.