مقدمة: مركزية الإمام علي في الوعي الشيعي

تُعدّ قضية الإمامة والولاية في الفكر الشيعي الركيزة الأساسية التي يُبنى عليها البناء العقدي والروحي بأكمله. وإذا كان التوحيد والنبوة يشكلان القاعدة المشتركة بين مختلف المذاهب الإسلامية الكبرى، فإن الإمامة تمثل المحور الذي ينفرد به الفكر الشيعي ليحدد رؤيته لطبيعة القيادة الدينية والسياسية للأمة بعد وفات النبي محمد (صلى الله عليه وآله). في قلب هذه القضية يتربع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ليس فقط كخليفة رابع أو شخصية تاريخية استثنائية، بل كرمز إلهي وممتد لرسالة النبوة.

إن فهم أسباب إيمان الشيعة بعلي بن أبي طالب يتطلب الغوص في أعماق النصوص الدينية، والاستقراء التاريخي لمسيرة الإسلام الأولى، والتحليل الفلسفي لمفهوم "الوصاية" و"النص". لا يأتي هذا الارتباط الروحي والتاريخي من فراغ، بل يستند إلى منظومة متكاملة من الأدلة القرآنية، والأحاديث النبوية المتواترة، والخصال الشخصية الفريدة التي جعلت من علي محط إجماع وجداني وعقدي لدى أتباع أهل البيت (عليهم السلام).

أولاً: البعد النصي والقرآني - الإمامة كعهد إلهي

يؤمن الشيعة بأن المنصب الإلهي، سواء كان نبوة أو إمامة، لا يُترك للاختيار البشري أو الشورى العشوائية، بل هو اختيار إلهي يتوافق مع الحكمة الإلهية في تدبير شؤون الخلق. وفي هذا السياق، ينظر الشيعة إلى علي بن أبي طالب على أنه الامتداد الطبيعي للخط النبوي، مستندين في ذلك إلى مجموعة من النصوص الدينية الأساسية:

  • آية الولاية: يستدل الشيعة بقوله تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" (سورة المائدة: 55). وتشير الروايات المتواترة عند المفسرين والمحدثين إلى أن هذه الآية نزلت في حق الإمام علي عندما تصدق بخاتمه وهو راكع في صلاته، مما جعل ولايته مقرونة بولاية الله ورسوله في مرتبة واحدة.

  • آية التبليغ: استناداً إلى قوله تعالى: "يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته" (سورة المائدة: 67)، يرى الشيعة أن الأمر الإلهي لم يكن مجرد تبليغ لأحكام الدين العامة، بل كان إعلاناً حاسماً بولاية علي وخلافته، وهو ما تجلى بوضوح في واقعة غدير خم.

ثانياً: واقعة غدير خم - الحدث المؤسس للعقيدة

تعتبر واقعة غدير خم، التي حدثت في حجة الوداع سنة 10 للهجرة في منطقة بين مكة والمدينة، الحدث الأبرز الذي يُؤسس عليه الاعتقاد الشيعي بعلي بن أبي طالب. فبعد أداء فريضة الحج، جمع النبي محمد (صلى الله عليه وآله) جموع الحجيج التي تُقدر بمئات الآلاف، وألقى خطبته الشهيرة التي وثّقتها كتب التاريخ والحديث السنيّة والشيعية على حد سواء.

  • الخطاب النبوي الواضح: أخذ النبي بيد علي بن أبي طالب وقال عبارته الشهيرة والمعروفة: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله".

  • الدلالة اللغوية والتاريخية: يرى الشيعة أن كلمة "مولى" في هذا السياق، بقرينة القرائن الحالية والمقالية وسياق الخطبة، تعني الأولوية بالامر، والزعامة الروحية والسياسية، وليست مجرد المحبة والنصرة كما يذهب البعض، إذ لم يكن هناك مبرر لهذا التجمع الضخم والخطاب المجيش لو لم يكن الأمر متعلقاً بقيادة كبرى للأمة.

ثالثاً: المكانة الروحية والاصطفاء الإلهي

إلى جانب الأدلة النصية الصريحة، يمثل الاصطفاء الذاتي والروحي لعلي بن أبي طالب ركيزة محورية في وجدان الشيعة. لقد وُلد علي في جوف الكعبة المشرفة، وهي فضيلة لم تتوفر لأحد قبله ولا بعده، واعتبرها الشيعة إشارة مبكرة إلى مكانته الخاصة عند الله تعالى.

وعلاوة على ذلك، تربى علي في حجر النبي محمد (صلى الله عليه وآله) منذ طفولته المبكرة، وتغذى من معينه الروحي والأخلاقي، حتى إنه كان أول من أسلم من الرجال حسب النصوص المعتمدة. يقول الإمام علي واصفاً هذه التربية الفريدة في نهج البلاغة: "وقد علمتم موضعى من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعنى فى حجره وأنا وليد يضمني إلى صدرا... ولا وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل".

خاتمة الجزء الأول

إن الإيمان بعلي بن أبي طالب عند الشيعة ليس مجرد انتماء سياسي عابر لظروف تاريخية مرتبطة بصراع الخلافة بعد وفاة النبي، بل هو عقيدة متكاملة تقوم على أصول نصوص الوحي، والاصطفاء الإلهي، والتقدير العميق لموقع أهل البيت في حفظ الهوية الإسلامية. وفي الجزء الثاني من هذا المقال، سنستكمل استعراض الأبعاد الأخرى لهذا الاعتقاد، مرورا بدور علي في حفظ الشريعة، وشجاعته، وعلمه الغزير، وصولا إلى مفهوم العدالة الاجتماعية الذي تجسد في حكمه.

هل ترغب في أن ننتقل الآن إلى صياغة الجزء الثاني من المقال لاستكمال الموضوع وتغطية جوانبه الفلسفية والتاريخية الإضافية؟