بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة: منزلة صلاة الفجر وفضلها العظيم
occupies صلاة الفجر مكانةً رفيعةً وعظيمةً في منظومة العبادات الإسلامية؛ فهي الركن الذي يبدأ به المسلم يومه، والصلة الأولى برب العالمين مع إشراقة كل صباح. وقد حثّ الشارع الحكيم على محافظتها وبيّن عظم أجرها في الكتاب والسنة؛ إذ يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مشهوداً). وإن هذا المشهد العظيم الذي تشهده ملائكة الليل والنهار يضفي على هذه الصلاة هيبةً وخشوعاً خاصين.
وصلاة الفجر، على الرغم من قصر ركعاتها مقارنة بغيرها من الصلوات المفروضة، إلا أنها تحظى بأحكام وأذكار وسنن خاصة تميزها عن غيرها. ومن أبرز تفاصيل هذه الصلاة المباركة: الركعة الثانية منها، وما تختص به من أذكار ودعاء وهيئات مشروعة يبحث عنها الكثير من المسلمين لضمان أداء الصلاة على الوجه الأكمل المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم.
السرد الفقهي: أركان وهيئات الركعة الثانية من الفجر
تتألف صلاة الفجر من ركعتين فرضاً، وتتشابه الركعة الثانية في بنيتها العامة مع سائر الصلوات الرباعية والثنائية من حيث أداء أركانها الأساسية كالقيام، والقراءة، والركوع، والرفع منه، والسجود. غير أن صلاة الفجر تنفرد بخصائص تعبدية وأذكار مستحبة تجعل من تفاصيلها محط عناية خاصة من أهل العلم والفقهاء.
1. الاستفتاح والقراءة في الركعة الثانية
تبدأ الركعة الثانية بالقيام من السجدة الثانية للركعة الأولى، مكبراً للقيام (تكبيرة الانتقال)، مستقلاً في استقامة الظهر حتى يعتدل قائماً.
الاستفتاح والاستعاذة: لا يسن إعادة دعاء الاستفتاح في الركعة الثانية؛ لأنه شرع مرة واحدة في أول الصلاة. وعليه، يشرع للمصلي الشروع مباشرة في قراءة الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ثم البسملة، وقراءة سورة الفاتحة باعتبارها ركناً أساسياً لا تسقط بحال في الصلاة المفروضة.
قراءة السورة الكريمة: يعقب المصلي قراءة الفاتحة بقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر كانت الإطالة في القراءة مقارنة ببقية الصلوات السرية، حيث كان يقرأ فيها من طوال المفصل (مثل سور الحجرات، ق، والذاريات، وغيرها)، وقد ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية.
القنوت في صلاة الفجر: المفهوم والأصل الشرعي
يُعد موضوع "القنوت" في صلاة الفجر من المسائل الفقهية الشهيرة التي دار حولها بحث واسع بين المذاهب الإسلامية الأربعة، ولابد للطالب والعالم بدقائق العبادات أن يحيط به علماً تفصيلياً لفهم ما يقوله المصلي ويأتيه في هذه الركعة المباركة.
1. مفهوم القنوت لغةً واصطلاحاً
القنوت في اللغة العربية يطلق على معانٍ عدة، منها: الدعاء، والطاعة، والخشوع، والقيام الطويل، والسكوت. أما في الاصطلاح الشرعي، فهو: دعاء مخصوص يُقال في محل قيام من الصلاة في حال الرفع من الركوع.
2. آراء المذاهب الفقهية في قنوت الفجر
اختلف الفقهاء في مشروعية قنوت الفجر (الدعاء فيه بصفة دائمة) إلى قولين رئيسيين:
مذهب الشافعية والحنابلة في رواية، والمالكية في مشهور مذهبهم: ذهب هؤلاء إلى استحبابه الدائم في صلاة الفجر، مستدلين بما ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا". وهو القول المعتمد عند الشافعية، حيث يُشرع القنوت لديهم في الركعة الثانية بعد الرفع من الركوع وقبل السجود.
مذهب الحنفية وجمهور الحنابلة: يرون أن القنوت في صلاة الفجر غير مشروع على الدوام، وإنما يُشرع في حال النوازل فقط (قنوت النوازل)، وأما في حال الأمن والرخاء فلا يقنت في الفجر، مستدلين بأحاديث أخرى تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك القنوت إلا إذا دعا لقوم أو على قوم.
ماذا يقول المصلي في قنوت الفجر؟ (صيغ الأدعية المأثورة)
على القول باستحبابه عند الشافعية وموافقيهم، يتساءل الكثيرون: ما هي الألفاظ التي يشرع قولها في هذا المقام؟ لقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم صيغ مباركة جمعتها كتب السنة، وأشهرها ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله عنهما.
صيغة دعاء القنوت النبوي الشريف
يُسن للمصلي أن يرفع يديه حذو منكبيه (أو صدره) أثناء الدعاء، ويقول بصوت مخفت أو مسموع بحسب الإمام والمنفرد، الصيغة التالية:
"اللهم اهدِني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت."
ويُسن أن يضيف المصلي بعد هذا الدعاء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عن بعض الصحابة رضي الله عنهم.
الهيئات والحركات المسنونة في الركعة الثانية
لا يقتصر الأمر على الأقوال فحسب، بل هناك هيئات وحركات مسنونة يؤديها المصلي في الركعة الثانية من الفجر تزيد من كمال الصلاة وخشوعها، ومنها:
كيفية الرفع من الركوع: يعتدل المصلي قائماً بعد الركوع مستحضراً الطمأنينة، قائللاً: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد".
رفع اليدين في الدعاء: إذا كان المصلي يقنت، فالسنة رفع اليدين مبسوطتين مظنونة بطونهما إلى السماء، تأدباً وتذللاً بين يدي الله عز وجل.
النزول إلى السجود: بعد الفراغ من القنوت والدعاء، يكبر المصلي للانخفاض ساجداً بلا رفع لليدين (على الراجح في غير تكبيرة الإحرام)، ليؤدي السجدة الأولى ثم يعتدل جالجساً للاستراحة بين السجدتين، ثم يسجد السجدة الثانية.
هل ترغب في أن ننتقل إلى الجزء الثاني من المقال لاستكمال تفاصيل التشهد الأخير والتسليم والآداب الروحية لصلاة الفجر؟
ختام الركعة الثانية: القنوت، التشهد، والتسليم
استكمالاً لما يقال في الركعة الأولى من صلاة الفجر، فإن الركعة الثانية تحمل في طياتها أدعية وأذكاراً عظيمة الشأن، لعل أبرزها "دعاء القنوت" في حال شرعيته وثبوته على مذهب المصلي، إضافة إلى التشهد الأخير والتسليم.
أولاً: الركوع والسجود والاعتدال
تفصيلياً، يقول المصلي في قيام الركعة الثانية ما يقال في الأولى (الاستفتاح إذا نسي في الأولى، الفاتحة، وما تيسر من القرآن جهراً)، ثم يكبر للركوع قائلاً: "سبحان ربي العظيم" (ثلاثاً)، وعند الاعتدال يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه".
وفي السجود، يكرر مطمئناً: "سبحان ربي الأعلى" (ثلاثاً)، ويدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة بين السجدتين بقوله: "رب اغفر لي، رب اغفر لي".
ثانياً: القنوت في صلاة الفجر (عند المالكية والشافعية)
إذا كانت صلاة الفجر تشهد دعاء القنوت في الركعة الثانية بعد الرقوع (عند الاعتدال)، فإن المصلي يرفع يديه متضرعاً ويدعو بالدعاء المأثور الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله عنهما:
"اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت"
ويجوز أن يضيف أدعية خاشعة أخرى تسأل الله صلاح الحال ودفع البلاء، ثم يكبر ويهوي ساجداً للسجدتين الثانية والثولة من الركعة.
ثالثاً: التشهد الأخير والتسليم
بعد الانتهاء من السجدة الثانية من الركعة الثانية، يجلس المصلي للتشهد الأخير مبيتاً الخاتمة بخشوع تام:
التحيات لله: "التحيات لله والصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين."
الشهادتان: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله."
الصلاة الإبراهيمية: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم... وفي العالمين إنك حميد مجيد، اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال."
ثم يلتفت عن يده اليمنى قائلاً: "السلام عليكم ورحمة الله"، وعن يساره كذلك، ليختم صلاته المباركة بقلوب مطمئنة ونور يملأ الوجه والروح مع إشراقة الصباح.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.