تتقاذف الحيرة أحياناً قلوب الكثير من النساء حين تلمّ بهن عوارض الحيض الشهرية، وتتوق أنفسهن المتعبة لتلاوة آيات الذكر الحكيم بغية السكينة والاصطبار. تبرز هنا مسألة شائكة طالما أخذت حيزاً واسعاً من نقاشات المجالس الفقهية واختلافات المذاهب المعتبرة، ألا وهي حكم تلاوة القرآن للمرأة في تلك الأيام المعدودات.

إن الأمر لا ينزل في خانة القطعيات الصريحة، بل هو مدار بحث دقيق بين الفقهاء المتقدمين والباحثين المعاصرين، ممن وازنوا بين أحكام الطهارة الواجبة وحاجة القلوب الملحة للاتصال الدائم بخالقها.

جذور الخلاف الفقهي وتأصيل المذاهب الكبرى

تفاوتت آراء المذاهب الإسلامية الأربعة بشكل لافت حيال هذا النزل الفقهي. فريق من الجمهور، متضمناً المالكية والشافعية والحنابلة، ذهب إلى منع الحائض منعاً باتاً من تلاوة القرآن بألسنتهن، مستندين في ذلك إلى آثار وأحاديث نبوية أفادت بخصوصية هذا المنع، مقيسين حالة الحيض على الجنابة الكبرى من باب تعظيم كلام الباري وصيانة حرمة المصحف الشريف.

في المقابل، شقّ فقهاء الأحناف طريقاً مختلفاً، فجوزوا للحائض قراءة آيات محدودة بغرض الدعاء، أو الأوراد اليومية، أو إذا كانت معلمة ومتعلمة تخشى تفلت الحفظ، شريطة التحرز وعدم لمس المصحف مباشرة إلا من خلال حائل طاهر.

ترجيحات المحققين وضرورة الواقع

لم يقف الأمر عند حدود المذاهب الموروثة، بل انبرى محققون كبار، في مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وجمع غفير من أعلام العصر كابن باز والعثيمين، لتمحيص الأحاديث الواردة في الباب. خلص هذا التيار إلى ضعف الأحاديث المانعة للحائض خصوصاً، مقارنة بحال الجنب الذي يمكنه الاغتسال سريعاً، بينما تمكث المرأة أياماً طوالاً.

وعليه، صار الرأي القائل بجواز القراءة عند الحاجة أو الخشية من نسيان المحفوظ أقرب إلى روح الشريعة ورفع الحرج عن المكلفات، شريطة اجتناب مس المصحف المباشر واعتماد القراءة من الصدور أو عبر الأجهزة الذكية بحائل.

المذاهب الفقهية والتفصيل العملي

اختلفت آراء الفقهاء رحمهم الله في مسألة قراءة الحائض للقرآن الكريم تفصيلاً، ويسري هذا الاختلاف تخفيفاً على النساء في حالات الاحتياج والتعليم أو مراجعة الحفظ لئلا ينسين القرآن. ويمكن إيجاز المذاهب الفكرية في هذا الباب على النحو الآتي:

  • مذهب الحنابلة وبعض المالكية: يمنع حرمة قراءة القرآن للحائض مطلقاً، سواء أكان ذلك عن ظهر قلب أم من خلال المصحف، مستندين في ذلك إلى أحاديث ضعّفها جمع من محققي أهل العلم ولكنهم أخذوا بها احتياطاً في باب الطهارة والتعظيم.

  • مذهب الجمهور من الشافعية والحنفية: يوافقون على المنع العام إلا في حالة الضرورة القصوى، كأن تكون المرأة معلمة للقرآن وتخشى نسيانه، أو طالبة علم تخشى فوات وقت الامتحانات والمراجعة.

  • مذهب الإمام مالك واختيار ابن تيمية وجمع من المتاخرين: يرى جواز قراءة الحائض للقرآن دون مسّ المصحف (أي عن ظهر قلب، أو عبر الأجهزة الذكية والشاشات)، لعدم وجود نص صحيح صريح يمنع المرأة الحائض من القراءة، ولأن عذر الحيض يطول بخلاف الجنابة التي يمكن الاغتسال منها فوراً.

ضوابط وحلول عملية للمرأة الحائض

حتى تتجنب المرأة الحائض الحرج وتجمع بين تعظيم كتاب الله تعالى ومراعاة الأحكام الفقهية، يمكنها الأخذ بالضوابط التالية:

  1. القراءة عن ظهر قلب: يجوز للمرأة استظهار الآيات وقراءتها بقلبها أو بلسانها دون حمل المصحف الورقي إذا أخذت بالرأي القائل بالجواز للحاجة أو مطلقاً.

  2. استخدام وسائل التقنية: تلاوة القرآن الكريم من الهواتف الذكية أو الحواسيب اللوحية؛ إذ إن حكم الشاشة يختلف فقهياً عن حكم مسّ المصحف المطبوع، مما يسهل عليها المتابعة والمراجعة.

  3. الاستماع للقرآن: إن عجزت المرأة عن القراءة أو أرادت الاحتياط الكامل بالخروج من الخلاف الفقهي، فيمكنها الاستماع إلى تلاوة القراء والمصحف المعلم، وهو أمر جائز بإجماع العلماء وفيه أجر عظيم وتدبر للمعاني.

إن التيسير في هذا الباب مستمد من مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة التي راعَت الطبيعة الفسيولوجية للمرأة، وفتحت لها أبواب الذكر والتسبيح وقراءة ما يحفظ عليها صلتها بكتاب ربها سبحانه وتعالى دون حرج أو مشقة.