مقدمة تحليلية حول طبيعة وفاته المباركة

يُعدّ موضوع وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وتحت أي ظرف رحل عن عالمنا من المسائل العقدية والتاريخية التي نالت اهتماماً بالغاً وموسعاً في التراث الإسلامي عامة، وعند علماء ومحققي مدرسة أهل البيت (الشيعة الإمامية) خاصة. ورغم الاتفاق العام بين مختلف المذاهب الإسلامية على أن النبي الأكرم قد مرّ بتجربة التعرض للسم في حياته، إلا أن التفاصيل والتحليلات المرتبطة بالسبب المباشر والنهائي لوفاته الشريفة تشهد نقاشات علمية وعقائدية دقيقة داخل النصوص الروائية والتاريخية.

1. الأساس العقدي والروائي لشهادة النبي في مصادر الشيعة

يذهب جمهور أعلام الإمامية وعلمائهم الكبار - أمثال الشيخ الصدوق، والشيخ الطوسي، والشيخ المفيد، والعلامة الحلي (رضوان الله عليهم) - إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد قُبض شهيداً مسموماً. ويستند هذا الاتجاه إلى منظومة متكاملة من الروايات المروية عن طريق أهل البيت (عليهم السلام)، والتي تقرر قاعدة عامة تخص الأنبياء والأوصياء لديهم، وهي أن مسيرة الاصطفاف الإلهي غالباً ما تختتم بالشهادة، إما بالسيف والقتل أو بالسم.

  • عقيدة الشيخ الصدوق: فقد نصّ صراحة في رسالة الاعتقادات على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد سُمّ، معتبراً أن آثار السم ظلت تكرر أثرها فيه حتى أزمت وفاته.

  • نصوص الأئمة الأطهار: وردت عن الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) روايات صريحة تؤكد أن الأئمة والنبي من قبلهم ما منهم إلا مسموم أو مقتول، في إشارة واضحة إلى الطبيعة الشهادية لرحيل النبي الأكرم.

2. قراءة في حادثة "خيبر" والروايات المرتبطة بها

تدور نقطة النقاش الأولى في التراث الحديثي حول السم الذي وضِع للنبي في غزوة خيبر (السنة الثامنة للهجرة) من قبل المرأة اليهودية التي أهلكت الذراع المسمومة:

  • رواية الأكل واللفظ: تشير المصادر الروائية المعتبرة إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله) فطن للأمر فور تناوله لقمة أو جزءاً يسيرماً، فلفظها ولم يبلعها، وقال لأصحابه إن الذراع تخبره بأنها مسمومة. في حين تناولها بعض الصحابة (كالبراء بن معرور أو بشر بن البراء) فاستشهدوا في الحال.

  • الإشكال التاريخي: يتساءل المحققون الشيعة هنا: كيف يُقال إن وفاة النبي في السنة الحادية عشرة للهجرة كانت بسبب سم خيبر، رغم أن الفاصل الزمني يقارب الثلاث سنوات؟ يرى المحققون أن تأثير سم خيبر الفوري قد ظهر في حينه على من أكل، وأما بقاء أثره المزمن أو تجدده، فهو محل بحث وتحليل دقيق بين الأعم الأغلب من العلماء الذين يطرحون مسارات أخرى تكميلية لمرض وفاته الشريف.

الأبعاد العقدية وخاتمة المطاف في المسألة

آراء كبار علماء الإمامية ومباني الاستدلال

تتفرع الروايات الواردة في مصادر الإمامية المتقدمة والمتأخرة بشأن وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) إلى اتجاهين رئيسيين، يسعى الباحثون لتحقيق الميزان العلمي بينهما:

  • الاتجاه الأول: يتبنى القول بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد تأثر بالسم الذي دسه اليهود في شاة خيبر، حيث يرى أعلام كبار كالشيخ الصدوق أن أثر السم بقي يتفاعل في جسد النبي الشريف على مدى سنوات حتى قطع أبهره (ورد الوريد المتصل بالقلب) في مرض وفاته، معتبرين ذلك نوعاً من الإكرام الإلهي بنيل مرتبة الشهادة إلى جانب الرسالة.

  • الاتجاه الثاني: يذهب، استناداً إلى بعض الروايات الواردة في جوامع التفسير والحديث كـ "تفسير العياشي" وغيره، إلى حدوث عملية دسٍ للسم في فترة المرض الأخيرة. ويعتمد أصحاب هذا الرأي على تأويل الآية القرآنية الكريمة: (أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ)، مستدلين بها على وقوع الشهادة حقيقة لا مجازاً، ومستشهدين بنصوص من طرق الفريقين حول ملابسات "اللّد" أو التداوي الإجباري في مرض الموت.

دلالة "الشهادة" في منظومة أهل البيت (عليهم السلام)

تؤكد المدرسة الشيعية أن نيل الأنبياء والأوصياء لمرتبة الشهادة يُعدّ كرامة كبرى واختياراً إلهياً رفيعاً، انسجاماً مع القاعدة الكلية المروية عن الأئمة الأطهار: (ما منا إلا مسموم أو مقتول). فالإمام علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، والحسين وباقي الأئمة (عليهم السلام) قضوا نحبهم اغتيالاً أو سمّاً، ويدخل النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا السياق الاعتقادي بوصفه سيدهم وقائدهم الذي تكاملت مسيرته الجهادية والرسالية بالشهادة.

الخلاصة العلمية

في النهاية، يتفق المحققون المعاصرون من محققي الإمامية على أن قضية وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) مسموماً هي مسألة تاريخية تحكمها موازين الجرح والتعديل ودراسة الأسانيد، بغض النظر عن تباين التفاصيل الدقيقة بين كون الأثر راجعاً لسم خيبر أو لحدث مستجدّ في أواخر أيامه. وبين هذا وذاك، تظل شخصية النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) المحور الأسمى الذي يلتف حوله المسلمون بمختلف مشاربهم، مجللين سيرته العطرة بالتعظيم والإجلال.