المحتويات
الجذور التاريخية لقصة سم النبي صلى الله عليه وسلم في كتب السنة
تُعتبر قضية محاولة اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالسم من أبرز الأحداث التاريخية التي تناولتها كتب السيرة النبوية والصحاح والمسانيد عند أهل السنة والجماعة. وقد حظيت هذه الواقعة بعناية بالغة من قبل المحدثين والفقهاء والمؤرخين، حيث دُوّنت تفاصيلها بأسانيد متصلة تُبين ظروف الحادثة، وملابساتها، وهوية من قامت بها، والآثار التي ترتبت عليها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وآخره.
غزوة خيبر والحدث الجلل
تحدثنا المصادر الحديثية الصحيحة، وفي مقدمتها صحيحا البخاري ومسلم وغيرهما من دواوين السنة، أن هذه الحادثة وقعت تحديداً في العام السابع الهجري عقب فتح حصون خيبر. فبعد أن استقر الأمر للمسلمين، أرادت امرأة يهودية تُدعى زينب بنت الحارث (زوجة سلام بن مشكم) الانتقام لهزيمة قومها، فعمدت إلى تدبير مكيدة محكمة.
سألت هذه المرأة عما يُحبّه النبي صلى الله عليه وسلم من الطعام، فقيل لها إنه يُحبّ أذرع الشاة. فحصلت على شاة، وعمدت إلى الإكثار من السم القاتل في لحمها، ولا سيما في الذراع والكتف لعلمها بمدى إقباله عليهما. ولما أتمّت طبخها، أهداها النبي صلى الله عليه وسلم، فقبل الهدية بوصفه نبياً لا يردّ الهدايا ولا يتوجّس شراً بالمعتاد، وجلس مع ثلة من أصحابه رضي الله عنهم لتناول الطعام.
كشف الحقيقة ومعجزة إنطاق الطعام
تشير الروايات المعتمدة عند أهل السنة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ما إن نهش لقمة من تلك الشاة حتى تنبّه لوجود خلل؛ إذ أخبره الطعام بنفسه –بإذن الله عز وجل– أنه مسموم. فلفظ القطعة التي كانت في فمه ولم يبلعها، وقال لأصحابه: «أمسكوا أيديكم فإن هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة».
وللأسف، كان الصحابي الجليل بشر بن البراء بن عازب رضي الله عنه قد ابتلع لقْمته قبل أن ينتبه التحذير، فظهر أثر السم عليه فوراً، وتوفي إثر ذلك متأثراً به، ليُكتب له الشهادة. أما النبي صلى الله عليه وسلم، فقد نجاه الله تعالى بحفظه ومعجزته، ودعا بالمرأة اليهودية لمواجهتها بالحقائق التي كشفها له الوحي الإلهي.
الخاتمة والتحليل العقدي لقصة السم
أثر السم وموقف النبي منها
تتفق الروايات عند أهل السنة والجماعة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لقمة من الشاة التي هدتها له زينب بنت الحارث اليهودية في خيبر، لكنه لفظها فوراً بعد أن أخبره الكتف بأنها مسمومة. ومع ذلك، فقد بقي أثر ذلك السم الكامن في جسده الشريف.
وقد ظهر هذا الأثر جلياً في مرض وفاته؛ حيث روت عائشة رضي الله عنها أنه كان يقول في وجعه الذي مات فيه:
«يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم».
نيل درجة الشهادة
يذهب المحققون من علماء السنة إلى أن الله عز وجل أتم على نبيه النبوة وأكرمه بمرتبة الشهادة إلى جانب رسالته، حيث جمع الله له بين الحسنيين: تبليغ الرسالة والموت شهيداً متأثراً بتلك السموم التي تجرّع ألمها على مدار سنوات ثلاث (من العام السابع الهجري حتى وفاته في العام الحادي عشر).
حكمة الابتلاء والرد على الشبهات
يؤكد أهل السنة أن ما حدث لا يقدح في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم العامة، بل هو من باب الابتلاء الذي تكتمل به مراتب الأنبياء وترتفع به درجاتهم. فالنبي لم يُمَتْ بغتة بالسم الفوري لحفظ الله له، وبقي حياً ليبلغ الأمانة كاملة، وليجتمع له أجر الصبر على ألم السم، وليتحقق له ما كان يتمنى من كرامة الشهادة في سبيل الله، وليتبين للناس صدق نبوته من خلال إخباره بالحقائق الغيبية وقت الحادثة وبعدها.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق.